السبت 24 يونيو, 2017

    الأموات أيضاً ينظرون

    الأموات أيضاً ينظرون

    حليمة بريهوم ـ الجزائر

    إنه مكر الحياة… والوفاة

    في حوار مع الأموات، زوجته المتوفية في العام الماضي..

    maqberقالت له : يا من أبكيتني طول سنين عابرة من حياتي المثقلة بهمومي وهمومك، إلى سنين قد تكون يوماً لنا شاهدة عن إحساسٍ بيننا: لا هو حب ولا هو نكران. لكنه تعايش ومعاشرة ، بأعمدته يشد بنيان نخاف إنهياره لأن تشييده كان متعباً، لا يستحق خسرانه من أجل نزواتنا المدسوسة في قصص أو قصائد   مكتوبة أرثي فيها أيامي الغابرة، ولكني ككل البشر، عندي من الأنانية ما خبأته لنفسي، واحتفظت ببيت شعر مما كتبت من أجلك، لأستعمله وقت الحاجة، لم تسمعه قط من قبل، وتعمدت إخفائه لأنك ستتجرعه يوماً لا محال، ولأشعل به نار قلبك الراقدة.. وفي آخر لحظة تراجعت بسبب لحظة حلوة في الذاكرة، أشفقت عليك وخفت أن أسحر قلمك فلا يكتب إلاّ لمن تكون لك الحرف، والفكرة، والمنطق، والفلسفة. وهي نفسها السؤال والجواب، والموت والحياة، والود كله، رفقا بك، ( لأن الأموات أيضاً ينظرون ويتربصون وينادون أحياناً). تريثت برغم استفاقة عقلية عزيزتي الساحرة بداخلي، ولكي لا أفسد  حياتك التي تعيشها  بحس: شيخاً للحب والجمال معانق، وللإخلاص والوفاء مفارق. وإن شئت نسميه، فاليتنافس الماكر والماكرة في يوم عتم، فيه ريح وغبار، والناس محدقة خلف لحوف ساترة من هول حلف نذرته، لو أنفذه لتكون الصاعقة، يتغير شكلي فلا يشبه أحد من  النساء، فيصير كالطامة في أساطير الوحوش في الأدغال والمقابر، لم يقدر أحد على مواجهة الموقف معي، لا بالعقل ولا بالسيف، لأنها ببساطة سهرة انتقام مدمرة، أكيد الفوز فيه للعاقلة العالقة في وحلك، يا من حطمت جسور تربط الماضي بالحاضر،ٓ وكسرت قارورة من الخاصرة، وأتلفت ملامح كانت يوماً للتباهي بارزة، وتفاصيل ألهمت كماً من شاعر، وفي عمر عشناه معاً بالعقل، بالصبر، كما درّستني أمي في مدرسة الحياة العاقرة، وتطبيقاً للوصايا العشر، والخمس.. وكل ما تحشو به عقول النساء قبل الزواج من تفاهات لا علاقة لها بالحياة الواقعة ..

    لو رغبت لجعلتك تفسق من قشور الوقار التي تجعل منك شبيه العشاق وألطخ عمامتك الناصعة البياض بوسخ ما تبقيه إحدى مميساتك الوهمية الزائلة، ولو أردت أن انتقم منك لما أخذت من وقتي وفكري جزءاً من ثانية، لانك ببساطة نكرة، (حال كل حواء عندما لا يهتم بها آدم ولا يغازلها ولا يضمها، لكنني أبقى وطنك في كل حالات تقلباتك) حدود الصبر حددتها المنيّة وأنا في إنتظارك يا بعلية   :

    قبل ان يجف اللعاب  وتأتي سكرات ويختفي الصفح من قلب الماكرة.. تعالى وأخطف من شفتاي قبلة عابرة تأخذ قسطك من السم وتنتظرني في المقابر، لا مفر منها إنها جواز سفر للأخرة. الجنة مأواي لصبري، ولا أدري كم ستبقى بعدي، ونلتقي من جديد.؟

    قال لها : لن ألحق بك، ستكون لي حياة وأبحث عن الحب وأجده ويلقاني…

    عمر وأنا متعب، منذ طفولتي وأنا مختلف، وكبرت والاختلاف شكّل شخصيتي التي لم تفهميها لكنها بسيطة برغم عنصر التفلسف فيها. غبتِ وتركتِ لي بعضاً من متاعبك، هم جواهر وهدايا ثمينة، لكن الاعتناء بهم صعب، لا يحتاج إلى قوة رجل، بل إلى ضعف امرأة ، نعم كنت مريضة لكن مسيطرة (الله تولاك وسيتولانا بعدك يا رفيقتي)..

    وأكمل يقول :

    طموحي لا حدود له وحلمي لن أتنازل عنه، فهو حقي في الحياة، الحرية، الحرية، الحرية، الحب هو الجنة، الله هو الحب، الكل يسعى إلى الجنة وهي الهدف…

    تجاوزت كل الصعاب، وها أنا أجدد ما استطعت من أحوالي لأكون في أفضل حال، والحب هو المشترك في كل الأحوال، سأحقق هدفي، سأنتصر ورب الكعبة.

    فعلاً، وجد الحب واحتوته المحبوبة، والتفّت حوله بحنانها وحاولت فهمه، لم تبخل بشيء في وسعها ولم تحرمه من عطفها كان يحتاجه، إهتمت بأمانة الزوجة السابقة وكسبت محبة الجميع، المهم أنها تفرغّت لخدمته وإسعاده والعناية به، كان هم العائلة ان تطمئن عليه وعلى بناته وابنه، وهي الوحيدة التي استطاعت أن تلم أبطال الحكاية، وتلملم شمل الأسرة و…. ويا فرحة ما تمت، المسكينة الحنونة، الدنيا خذلتها، فاجأتها بأخذه، وِنْسُها غاب في لحظة وغاب عنا… أين أخي ؟؟؟ ترك العروس وهي تسمع ضجيج العرس في أذانها الذي إختلط في الليلة الأخيرة بأنين المرض وعنف الفاجعة، بين مصدق ومكذب، نذرف الدمع ونكبُت السؤال من خشية الله، ونكثر الإستغفار كي لا نترك فرصة لتسلل الكفر إلى النفوس الضعيفة المليئة بالأسى، لم يلتئم الجرح بعد حتى اتسعت الفجوة الكبيرة التي انغمسنا فيها، سنخرج منها بإذن الله، لن تنفعنا الدموع ولا النواح ولا الهروب، ما يصح إلا الصحيح، اللهم لا إعتراض.. 

    تَرَكنا.. أيام فرحِهِ كانت محدودة، نعمة أنه عاش سعيداً لفترة قصيرة، خير من عدم.. كان فيلسوفاً، عاش ذكياً، حراً، متحرراً، ديموقراطياً، خليفة حقيقي في الأرض، علاقته مع خالقه خاصة جداً، لا نرقى إليها أبداً، عالمه مثالي لأنه هو فيه، منظم ومرتب، نظيف وصبور برغم كل ما ينقصه، الرِّضا منهجه في تسيير شؤونه، يحب الفن والفكر المتجدد.

    كان محترماً جداً، ترك عائلة، نسله سيستمر بإذن الله، اللهم أفرغ صبراً علينا .

    أضاف عنصراً جديداً في العائلة و”فل بلا رجعة”.. لا أرغب في السؤال لأن الموت حقيقة مرة نبلعها ولا نعترض.. الحمد الله على كل الأحوال .

    مقالات ذات صله

    1 تعليقات

    1. فتحية ديما

      هم احياء الماضي… ونحن اموات المستقبل… وكلنا ننتظر…
      كلماتك رائعة حليمة بريهوم…
      وافكارك عميقة جدا…
      تحياتي

      الرد

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *