الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    مهى جرجور

    مهى جرجور: هدفنا تسريب القيم اللبنانية

    ساره ضاهر

    jarjoraتأتي المجموعة الثانية من سلسلة «لم نعد صغاراً»، للدكتورة مهى جرجور، رئيسة قسم اللغة العربية، الجامعة اللبنانية – الفرع الثاني، تكملة للمجموعة الأولى التي صدرت منذ حوالي ثلاث سنوات. حيث تتضمن كل مجموعة ثلاث قصص مختلفة تماماً، إلا أنها تعبّر عن رؤية واحدة ومفهوم واحد، هو التحاور والتواصل مع المراهق، مراهق القرن الحادي والعشرين.

    وفي حوار مع د. جرجور حول توجيه كتابتها للمراهقين، أكّدت أنها ماضية في إنجاز هذه السلسلة، واعتبرت أنّ «الكتابة، هنا، تأتي ضمن محاولاتنا، بصفتنا راشدين، للتواصل مع المراهقين. نتناول مواضيع تخصهم، نتفهّم مشاكلهم، من أجل أن نساعدهم بطريقة غير مباشرة. نستطيع، من خلال القصة، أن نجيب على أسئلة تخطر ببالهم، ونخفف قليلا من همومهم. من ناحية أخرى، يهمني أن أكتب بلغة يقرأها أولادنا ويفهمونها، ويفتخرون أنّ لديهم كتاباً عربياً يعبّر عنهم، يشبههم، خاصة أنّ شعار هذه المجموعة هو «كتابي يشبهني»، مكتوبة بلغة عربية سهلة، مُشَكّلّة، كي يتمكّن المراهق من قراءتها بسهولة. إلى جانب حضور عنصر الصورة، بشكل قوي، في هذه المجموعة.

    *  كيف تمكّنتِ من التقرّب من المراهقين؟

    ـ اعتمدت مواضيع يعيشها المراهقون. دخلت عالمهم، استمعت إلى كلامهم، أدركت كيف يعالجون المشاكل التي يتعرّضون لها في منازلهم، عائلاتهم، مدرستهم… ثم كتبت ذلك كله بلغة عربية سهلة، لأن الهدف ليس فقط اكتساب اللغة وإنما تسريب قيم، قيمنا اللبنانية الأصيلة، من خلال اللغة العربية، لأننا ندرك أنّ القارئ عندما يطّلع على نص باللغة الفرنسية، فهو يمتصّ الثقافة الفرنسية، وكذلك الحال مع اللغات الأخرى. أولادنا، مَن يقرأ منهم اليوم، يقرأ الكتب الأجنبية، وهكذا تتسرّب إليه الثقافة الغربية، ويبتعد عن ثقافتنا نحن. لذلك أحببت أن أكتب باللغة العربية كي أسرّب، ليس فقط الثقافة العربية، بل ثقافة الإنسان كإنسان.

    ثلاث قصص

    *  المجموعة الثانية…

    ـ عنوانها أيضاً «لم نعد صغاراً» ، تتضمن ثلاث قصص: «لا أريد»، «ليس تحدياً»، و «لا أعجب أحداً».

    *  نلاحظ أنّ كل عنوان يطرح مشكلة

    ـ صحيح. وهذه المشاكل، يختبرها كل مراهق في هذا العمر، أي بين 12 و15 سنة، ودائماً هناك حلول ولكن بطريقة غير مباشرة، من خلال عِبَر وأمثلة. دائماً هناك راشد ومراهق يتناقشان، يتصادمان ثم يتحاوران… فقد ركّزت على التفكير الإيجابي، وتعزيز الثقة بالنفس، إضافة إلى عامل النجاح، بحيث أن تكتشف كل شخصيّة نفسها، في ما بعد، أنها شخصية فريدة من نوعها، وأنها قادرة أن تنجح بالرغم من كل الصعوبات. يتعلم المراهقون أن يواجهوا مشاكلهم، وأن يواجهوا الصور النمطيّة التي تتكرّر أمامهم على شاشات التلفزة وفي المجتمع الذي يقدّم صورة واحدة عن مثال النجاح فيما يترك الآخرين خارج هذه المنظومة… أي يحتّم على المرء القيام بأمور معيّنة كي يكون مقبولاً من المجتمع. قصص «لم نعد صغاراً» تثبت العكس. تثبت أنّ لكل إنسان ميزة وفرادة في مكان، بحيث يستطيع أن يصبح ما يريد، إذا تدرّب وثابر وتواصل مع الآخرين… تثبت عدم جدوى الانجرار خلف شخصيّة واحدة مسيطرة… فالمجتمع يحتاج إلى عناصر عدّة كي تكتمل الصورة، ومن غير المقبول أو المنطقي تكوين صورة نمطيّة واحدة، إذ لكل فرد ميزة، ومجموع هذه المميزات هي التي تكوّن المجتمع.

    *  ككاتبة روائية وأستاذة في النقد الأدبي، كيف جمعت بين القيمة التربوية، المضمون القصصي واللغة؟

    ـ عملت، هنا، على أكثر من محور بالتساوي. فلم يسيطر أي محور على آخر. إذ تلاحظين عدم وجود وعظ وتلقين على حساب القصة، أو بناء قصة ولغة على حساب الأخلاق. أو اهتمام باللغة على حساب أي عنصر آخر من عناصر القصة. كما عملت على الرسوم والإخراج والقيم التربويّة وحس الفكاهة الذي يحبه المراهقون، لمسات بسيطة ترسم ابتسامة على وجه القارئ. وبذلك سعيتُ أن يكون العمل متكاملاً، حتى اهتممتُ بنوعية الورق وحجم الكتاب، إذ أخذتُ بالاعتبار أن يناسب أهواء هذا العمر، وأن يكون منتَجاً جميلاً يفتخر به الطالب ويحبّه.

    الأم

    *  هل انطلقت فكرة الكتابة من سعيك، كأمّ، لإيجاد مجموعات قصصيّة تتناسب وأولادك المراهقين؟

    ـ نعم. مرات عدة كنت أحتار ماذا أقدّم لأولادي كي يقرأوه. حتى الكتاب الأجنبي، المكتوب على غلافه «12 سنة»، فوجئت في إحدى المرات بمضمونه الذي يتنافى وأخلاقياتنا ومفاهيمنا الحياتيّة. ونحن ندرك أنّ أيّة معلومة خاطئة تتسرّب للأطفال بعمر صغير ستترسّخ في أذهانهم، وستترك أثراً سلبيّاً في نفوسهم، كما ستشوه المعاني الجميلة عن الحياة، الحب، والمثاليات في نظرهم. فمن الخطورة في مكان، تسريب معلومات لا تتناسب مع نضوجهم. حتى، أنني من خلال خبراتي، كدارسة للقصص، في كتاب «طفلي ماذا أقرأ له» وهي دراسة لأربع وعشرين قصة لمراحل عمريّة مختلفة، مكتوبة، جميعها، باللغة العربية، اكتشفت الهوّة الكبيرة بين مضامين هذه القصص، وما يبحث عنه مراهق اليوم. وهذا عامل آخر دفعني لأن أتوجّه بالكتابة للمراهقين. إضافة إلى تدريسي هذه المرحلة على مدى سنوات، كنت على احتكاك مباشر مع الطلاب، أتكلم إليهم وأسمعهم، أتقرّب منهم وأفتش عن نقاط التواصل المشتركة بيننا خاصّة أنه كثيراً ما كانت تحصل مشاكل صداميّة في هذا العمر بين الأساتذة والتلاميذ. وكنت أفكّر، بيني وبين نفسي، لماذا تحــــدث هذه الصـــدامات؟ لا بدّ أن هناك خللاً ما، ووجدت أنّ الكتابة القصـــصيّة قد تفيد في ردم الهوة قليلا أو سدّ نقص ما.

    *  برأيك كيف اختلفت المشاكل في هذا العصر عن العصر السابق؟

    ـ العنوان العريض لمشاكل الآن هو التمرّد، ومحاولات إثبات الشخصيّة، ولكن بأسلوب حادّ. مراهق اليوم يعيش في عالم متسارع، حيث ينتشر العنف في كل مكان: الألعاب، برامج التلفاز، نشرات الأخبار، الشارع، المحيط… هذا المراهق الذي يتلقى مشاهد العنف من جهة، ويحصل على معلومات بشكل فوضوي من كل حدب وصوب من جهة أخرى، ولا يدرك كيفيّة التعامل معها، فهو يتلقى كمّاً كبيراً من المعلومات، تفوق قدرته على الاستيعاب. أضف إلى أنه يحصل عليها بطريقة غير سليمة، فتحوّله إلى كائن متمرّد، عدائي، رافض لأي سلطة، سواء سلطة الأهل أو سلطة المعلّم، بل يعتبر نفسه أعلم منهم… لذلك نجده متطلباً، غير مقتنع، يريد المزيد، لا يدرك قيمة الأشياء، يقلل من احترام مَن هم أكبر سناً منه…

    *  كيف حاولت معالجة هذه الأمور من خلال قصصك؟

    ـ كنت أركّز على تصوير غضب هذه الشخصية، أو حزنها أو الأسى الذي تعانيه، ثم أعرض لوجهة النظر الأخرى للأهل أو الراشد، وأدفع كل شخصية إلى فهم الآخر، واستيعاب سبب تصرّفه. برأيي أنّ الحوار، التواصل، محاولة التعبير عن الذات، البحث عن نقاط التلاقي، وتفسير الموقف… كلها عوامل قد تؤدّي إلى حلّ أو، أقلّه، إلى بذور حل.

    *  اعتمدت على شخصيات خيالية أم واقعية؟

    ـ الشخصيات من نسج الخيال، ليس هناك شخص اسمه «سعيد» أو فتاة اسمها «ديمة»، ولكن ربما تحكي «ديمة» على لسان شريحة كبيرة من الفتيات اللواتي يعانين من الخجل. «سعيد» يتحدث بلسان الكثير من المراهقين الرافضين لسلطة الأب والرافضين حتى لسلطة الصديق. أردت أن تمثّل كل شخصية شريحة ما، نموذجاً ما في المجتمع. ولكن إذا ما أردنا تصنيفها، هي أدب واقعي.

    *  ما هو العمل القادم؟ رواية أو مجموعة ثالثة من لم نعد صغاراً؟

    ـ سأبدأ بكتابة المجموعة الثالثة من «لم نعد صغاراً» ولكنها لن تصدر قبل حوالي ثلاث سنوات، لأنّ التحضير لا يرتبط بكتابة النص فقط، بل يجب تحضير الرسوم، كذلك يحتاج الاستثمار التربوي الذي يتضمّن خبرات تعليمية إلى بذل مجهود كبير، وهذا الأمر يحــــتاج إلى وقت. إضافة إلى هذا المشروع أشعر أنّ لدي حنينا لكتابة رواية، اشــــتقت إلى الجموح، إلى التعبــير بحرية، إلى الانطلاق…

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-01-27 على الصفحة رقم 14 – ثقافة

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *