السبت 24 يونيو, 2017

    مربد البصرة

    مربد البصرة.. حبل القصيدة ما زال يتمزّق

    مهدي منصور

    merbed-1كل شيءٍ تقريباً يتغيّر في العراق عدا الشعر، إذ ما يزال الشاعر العربي، كما كان منذ الجاهليّة، يحضر إليه ليطمئن على لغته، ولينضمّ إلى شعراء عرب وعراقيين يقيسون عمر قصائدهم بنخلة فارعة. وعندما نقول إن التغيير لم يطل الشعر، لا نعني شكل الشعر وموضوعاته وفضاءاته أو حساسية الشعراء، إنما الاندفاع إليه بجزالة والدفاع عنه ببسالة وهذا أمرٌ لا يختلف عليه سواء الشعراء الذين نفاهم النظام المخلوع ولا الشعراء الذين نفاهم خلعه.

    المربدُ هذا العام أيضاً، مثلما جمعت «البصرة» النهرين في شط العرب، كان محطّ رحال القوافل الشعرية من كلّ نصٍّ وصوب. ومن الغرابة بمكان أن ترى المذاهب والمِلل والمتناحرين العراقيين على تنوعهم يجتمعون حول الشعر الذي استطاع أن يفعل ما لم يفعله سياسيو الأرض والسماء. والشهادة للبصرة التي ما زالت عين الصحراء، وللمربد الذي هو عين البصرة، تأتي بعيداً عن الورقة التي خرج بها المهرجان ومدى تأثير حدوثه على عالم يتمدّد بين قوات الحشد ومسارات السوخوي وما بينهما من ليلٍ نرجو ألا يكون طويلاً.

    على خلاف كثير من العادات العربية السيّئة، تخلى المنظمون والراعي وكبار الضيوف عن الكلمات لمصلحة الإنصات للشعر الذي احتشد للعراق وجاءَ عنواناً للدورة التي منحت فعاليتها كرمى للشاعر الراحل «رشدي العامل». وجمع إلى جانب الشعراء المقيمين بين النهرين، وهم تسعون وكاد تزايد أعدادهم أن يقضي على رئيس اتحاد أدباء البصرة الشاعر كريم جخيور، شعراء عراقيين مغتربين منهم عبد الكريم كاصد وعواد ناصر وشوقي عبد الأمير وبلقيس حميد حسن بالإضافة إلى شعراء عرب اختارتهم اللجنة برئاسة الشاعر محمد حسين آل ياسين.

    تنوّع القراءات وكثرتها، على ما في ذلك من أهميّة للمهرجان، أظهر بعض القضايا العاجلة والمستجدّة.

    أوّلاً، إن حبل القصيدة العربية ما زال يتنسّل إزاء الشد المتواصل من كتبة قصيدة البيت والتفعيلة من جهة والنثر من جهة أخرى. كان يكفي أن يتحسّس أحدُنا القاعة ليعرف حجم الهوة بين الشكلين وتشتت الذائقة وغياب مفهوم واضح للشعرية. الأمر الذي يدعونا إلى إعادة نقاش مواضيع قديمة جديدة كمعضلة الشعر والتلقي أو تشكيل الذائقة على سبيل المثال لا الحصر.

    ثانياً، كان جلياً لديّ أن حضور الشعر العراقي الشبابي يبشّرُ بمستقبل كبير للشعر، بحيث أظهر الشعراء المتقاطرون من المدن العراقية المتنوّعة تقديراً لبعضهم ولمن سبقوهم وقدّموا تجاربهم بكل ثقة على تنوّع نصوصهم واختلاف طقوسها. هذا وقد قدّم العديد من الشعراء الشباب مشهداً مدهشاً بالمشاركة والحضور والتقييم الفوري حتى تفاءل بهم المخضرمون؛ الأمر الذي يأخذنا إلى دراسة جديّة للشعر العربي الجديد. جاء ذلك بعد أن علت أصواتٌ رثت الشعر لم أعد أجد لها مبرراً.

    ثالثاً كان لافتاً أنّ غنى الأمسيات والأصبوحات الحقيقي تولاه الشعراء العراقيون ولم يكن لكثيرٍ من الضيوف المساهمات المتوقعة كممثلين لعواصم عربية كان لها حضور أكبر في الخارطة الشعرية.

    متشرفاً بالمشاركة لهذا العام، وبكل أمانة يمكنني القول إن العراق الذي منه انبثق تاريخُ أمّة اختمر البيان على لسانها، ما يزال، وعلى الرغم من الجراح التي لا يستحقها والفقر غير المفهوم فيه، حريصاً على مستقبل العربيّة لأنها امتداد لما ولد على ترابه منذ طفولة المعنى. وليس المربد غير استعادة لقائمة عظماء كتبوا الشعر الشعر وكحّلوا اللغة بتشكيلها والشعر بأوزانه، قائمة فيها عظماء من النابغة الذبياني إلى بدر شاكر السيّاب مروراً بأبي العلاء المعرّي والجاحظ والجواهري. العراق بخير ما دام الشعر يحتشد إليه بلا ضحايا رغم التدافع الشديد…

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-01-26 على الصفحة رقم 14 – ثقافة

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *