السبت 21 يوليو, 2018

    تفكيك النصوص القاتلة

    1
    views

    تفكيك النصوص القاتلة ونقد النخبة

    دعد ديب

    mazlom-1نبجرأة نادرة ورصانة علمية يقتحم صاحب «الفتن البغدادية» الشاعر والباحث محمد مظلوم غور الواقع القريب البعيد في كتابه «الطائفة والنخبة الطائفية ـ ولاء الجماعات في صراع الأمم» (منشورات الجمل) لعام 2016 معتمداً المنهج التفكيكي، متصدّياً في تحليله للإرث الطائفي الثقيل الذي يكبر يوماً إثر يوم كسرطان يتغوّل، فاتكاً بما تبقى من عالمنا المحلي والعربي والعنف المتولد عنه، متجاوزاً الوجل المعتاد من مقاربة المقدس ومخالفة المحيط القطيعي للجماعة عبر تفكيك الطبقات العميقة للطائفية من الداخل واستكشاف انعكاساتها في الصراعات عبر العصور والحقب، حيث تنمو عقلية التكاره في بوتقة الاختلاف المذهبي جارفة الجميع إلى الهاوية.

    يوضح الكاتب أن الطائفية ما هي إلا نص خضع لفتاوى الفقهاء وليست وحياً يُوحى، وقد صيغ وفقاً لمصالح لا تخفى على أحد، مغامراً بإعادة الاعتبار لحرية العقل والتفكير في زمن التكفير والقتل على خلفية الانتماء المذهبي وملتقطاً المشكلة ـ لا عبر تزامنها التاريخي ـ وإنما عبر التمفصلات الفاعلة في تأجيج تجليات الظاهرة الطائفية بصفتها حفراً في الماضي وإيقاظاً لبؤر الفتنة النائمة واستنطاق مومياءات قديمة لتنطق باسم إنسان العصر.

    يستهلّ الفصول الثلاثة الأولى بتفكيك القواعد والأصول التاريخية للمشكلة المطروحة، من خلال تفكيك مفاهيم كلّ من: الطائفة، والهوية، والثقافة بمعانيها الملغومة كخلفية لوعي الفرد والجماعة؛ وذلك عبر استدراج تاريخ الصراع على السلطة بظهوراته الطائفية، كما يتطرّق لحوارات النخبة الطائفية الفقهية المغزولة وفق أهواء الغزاة، ودور تنابذاتهم في تسهيل قبول الغازي لرعاياهم وتوظيف المقدس في خدمة القوى الخارجية المتنازعة على أرضهم عبر تأصيل عقلية التكاره بين الفئتين الأبرز في النزاع: السنة والشيعة وما يتناسل عنهما من فرق متطرّفة ومستجلبة للحقد والعنف الطائفيين. مع إن المذاهب السنية والشيعية على حد سواء حفلت على الدوام باحتواءاتها لثقافات مجاورة عبر بوتقة التصوف والاعتزال، ولكنها اصطدمت بالولاءات السياسية وتنظيمها وفق أفخاخ مشاريع الهيمنة والاستحواذ، ممّا وسع الطريق لإعادة إحياء التيارات المتطرفة ـ الإسلام الصافي «الداعشي»

    وتأتي الفصول التالية تفصيلات انعكاسية على الواقع وفق المنهجية المتبعة في التحليل، حيث أرض العراق صورة دامية لإخطبوط الموت المنفلت عقاله من تشظيات الأزمة الطائفية، التي يعتبر الغزو الأميركي 2003 انعطافة مهمة في هذه الظاهرة التي تكبر في ظلّ العالمية، من دون أن تنتمي إليها، حيث تتراجع المفاهيم الجامعة مثل الوطن ـ الأمة ليبقى الانتماء المذهبي هو الهوية الوحيدة الباقية. وهذا ما يجعل المناخ خصباً للتصادم نظراً للهويات المتخالفة فالظاهرة الطائفية بؤرة صراع أولى مستخدمة في مسارات الاستقطاب الدولي في النظام العالمي الجديد، بحيث تسهّل الخضوع للطبقة السياسية وتقاطعاتها الإقليمية والدولية ليتدرّج إلى تعقيدات الديموغرافيا والغيتوات المفروضة لتأكيد الشرخ المجتمعي وإحياء الكراهية ومحاربة كل نسمة أمل تعارض المشروع التقسيمي. تجلّى ذلك في التفجير الحاصل بشارع المتنبي ـ شارع الثقافة ـ لقطع الطريق على كلّ إمكانية لرفض الانعزالية المقوننة وفق تقسيمات طائفية وارثة لأحقاد التاريخ. وينوّه الكاتب بتركة صدام البعثية التي تحوّلت إلى عقيدة جهادية لا تخلو من غلو متنصلة من أي لون يشير إلى علمانية نهلت منها ذات نشوء.

    لا ينسى المؤلف في الجزء الأخير من الكتاب أن ينوّه ببعض الشخصيات الفاعلة في رسم الخرائط السياسية لكيانات الدول في المنطقة. مستخدماً نموذج العراق كذلك في الحقبتين البريطانية والأميركية «من تشرشل ـ المس بايدن ـ غيلب» الذين حركوا اللعبة من وراء الكواليس وأحياناً على منصة المشهد لإعادة صياغة المجتمع والتاريخ بما يتفق مع مصالح ومطامع الدول الكبرى، من أجل إعادة توظيفهما في حروبها المقبلة.

    يصوغ محمد مظلوم كتابه بلغة أدبية عالية، ليبتعد بنا، عن لغة الدراسات الأكاديمية الجافة منوّهاً بشواهد شعرية معبرة عن فكر وفلسفة الزمن المشار إليه، ولا غرابة فالباحث شاعر بالدرجة الأولى والبلاغة صُنعتُهُ التي طالما برع بها.

    تأتي أهمية الكتاب من كونه يتطرّق للمسكوت عنه في الثقافة والسياسة بزمن يمتدّ عبر حريق الظاهرة الطائفية ليشتعل ويحرق ما يجاورها وأخص بالذكر النار المشتعلة في سورية وإن لبست لبوساً مقنعاً ولم تسمَّ باسمها، مع اتساع الهوة بين الفرقاء والتي تنذر بإغراق الجميع في لهيبها.

    الكتاب جرس إنذار للتنبيه للدوامة الكابوسية التي تدور فيها المنطقة برمّتها، تلك التي لن ينتصر بها أحد… وسؤال صادم عن مفهوم الهوية والهاوية، فهل من مجيب …؟

    شر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-01-26 على الصفحة رقم 14 – ثقافة

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *