السبت 24 يونيو, 2017

    ثلاث قصص قصيرة جداً

    ثلاث قصص قصيرة جداً

    آرفو فالتون

    pp1-1

    ترجمة : غادة الأغزاوي

    /1/

    لديَ هاتفٌ، يسمحُ لي بأن أكونَ، في الوقتِ نفسِه، على الخطّين معاً: أنا منْ يطرحُ الأسئلةَ، وأنا منْ يجيبُ عنها.

     

    ستقولون لي: بماذا قد ينفعُ استخدامُ، جهاز، مثل هذا؟

    لكن، هل يوجدُ شخصٌ يعرف، أفضل منّي، بماذا يجيبُ عن أسئلتي؟ ولديه معرفةٌ دقيقة بتلك الأمور؟

    «هلْ تشعر بالبردِ؟»

    ماذا تعني «تشعر بالبردِ»؟ هل يمكنُ لشخصٍ آخر أنْ يحسَّ بالبردِ الذي أشعرُ به؟ لأنّني أعرفُ جيّداً أجيبُ: «نعم، إنّي أشعرُ بالبردِ».

    إجابةٌ صحيحةٌ. لو لمْ أكنْ أشعر بالبردِ، ما كنتُ لأجيبَ على هذا النحوِ. فأنا لنْ أكذبَ على نفسي.

    «أينَ تقعُ نيكاراغوا؟»

    أيّ شخصٍ يعرفُ جغرافيّته جيّداً، أو قضى وقتاً، في هذا البلدِ، بإمكانهِ أن يجيبَ عن هذا السؤال.

    أنا، أيضاً، لنْ أجيبَ أسوأ من شخصٍ آخر. إذن، لماذا أزعجُ النّاس، من أجلِ أمورٍ تافهة؟

    هذهِ قصّة هاتفي.

    /2/

    ذات يومٍ، رسمتُ حيواناً.

    لم أكن أعرِف أيَّ حيوانٍ كانَ تحديداً.

    كلُّ الأصدقاء، الذين رأوا الرّسم، لم يكن لديهم أدنى علم به، أيضاً.

    كنّا، جميعنا، قلقين قليلاً، بشأنِ هذا الحيوان.

    ذات يومٍ، أشفقَ ذلك الحيوان، عليَّ. وبدأَ يعيش.

    وضعتُ حبلاً، حولَ عُنقِه. ثم خرجنا لنتنزَّه.

    عند رؤيته، شرع الناسُ في قول «أوووه»؛ وآخرون في قول «آآآآه». منَ الواضح جداً، أنّهُم لا يعرفونَ هذا الحيوان.

    ذهبت به عند أخصَّائيٍّ. هذا الأخير وَضَعَ نظّارته، وغاص في كتابٍ. ثم هزَّ رأسَه، دون أنْ يقول شيئاً.

    عرضتُ هذا اللُّغزَ المُحيِّر على حديقة الحيوانات. لكنّهم رفَضوا أخذه. بصراحة، هم يجهلون، تماماً، الاسم الذي سيضعونه على بابِ القفصِ.

    عدتُ إلى البيت، وأنا أقولُ لنفسي، أنا مُجرّد رسَّامٍ فاشِلٍ.

    /3/

    الكتابة ليستْ، أبداً، مهنةً دونَ خطَرٍ.

    مؤخَّراً، في قريتي، جاءَ رجلٌ عملاقُ الجسَدِ، يُطالبني بتعويضٍ مادي. مُدّعياً أنّني قمتُ بالتشهير بوالده في روايةٍ نُشِرتْ قبل عشرين عاماً. قالَ إنّني وصَفتُ والده بالسكّير الذي يتسكَّعُ في القرية بعربة السّوبر ماركت.

    عندَ سماعي لهذا الطَّلب، انفجَرتُ ضاحكاً. لكنّ ذلكَ كانَ أشبهَ بصَبِّ الزَّيت عَلى النّار. قالَ إنّنا لم نعُد نعيشُ في ذلكَ الزمن الذي نجعلُ النّاسَ فيه أضْحُوكةً ومسخرة. وحسبَ رأيه، فإنَّ الحَلَّ الوحيد للمشكلة، هو دفعُ أوراق نَقديَّة صادرة عن النِّظامِ الجديد.

    أتذكره عندما كان صبيّاً. لمْ يكن طيّباً مع والده. واليوم، بعد وفاته بسنواتٍ، يأتي ليُدافع عن سُمعته!!

    أما أن أعطيَهُ درساً في نَظريَّة الأدب، أو درساً عن حريّة الإبداع والصِّفات النسبية للشَّخصيّات، فذلك لن يُجديَ نفعاً.

    ولأنّني لم أقبل مقاسَمتهُ حقوق التأليف، التي تقاضيتُها، قبل فترةٍ طويلة، وبعُملةٍ نقديّةٍ بائدة، هدّدني بتفجير بيْتي.

    أنا الآن، أكتبُ روايةً جديدة، وأنتظرُ اللحظةَ التي ستنفجرُ فيها القنبلة.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ولد أرفوفالتون عام 1935 في استونيا، درس في في معهد البوليتكنيك في تالين وأصبح مهندسا بينما كان يدرس السيناريو في موسكو. كان له اهتمام كبير في العلاقة مع الناس ويتمتع بحس الدعابة والفكاهة. له ” رغبة غريبة” 1963. ” رحلات من أرفيد فضية” 1984. وهو أيضا مؤلف رواية تاريخية حول جنكيز خان، وعلى الطرف الآخر من اللانهائي (1978). وكان عضوا في البرلمان الإستوني. الهامش (مدارك ثقافية).

     

    “الأخبار” اللبنانية العدد ٢٧٨٣ السبت ٩ كانون الثاني ٢٠١٦

    (ملحق كلمات) العدد ٢٧٨٣ السبت ٩ كانون الثاني ٢٠١٦

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *