الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    مهرجان الصادقين الشعري الثاني

    مهرجان الصادقَين الشعري الثاني

    انخفاض منسوب حب الأوطان فورة جاهلية ليس للدين والعقل والحكمة فيها مكان

    علي .أ. دهيني

     

                alkhafaf-1“حبُ الأوطان من الإيمان”. تحت هذا الشعار، وفي أجواء ذكرى الولادة المباركة للرسول الأكرم(ص) والإمام جعفر الصادق(ع)، والتي صودفت مع عيد الميلاد المجيد، أحيت “جمعية آل البيت الخيرية” “مهرجان الصادقَين الشعري الثاني”، بأمسية شعرية شارك فيها الشعراء: د. محمد علي شمس الدين (لبنان)، سمير فراج (مصر)، أجود مجبل (العراق)، علي طالب (لبنان)، حسين السماهيجي (البحرين)، أبو زيد حرزالله (الجزائر).

                وقد جاءت كلمة الافتتاح  لرئيس “جمعية آل البيت الخيرية” الأستاذ حامد الخفاف، ممثل المرجع الأعلى السيد السيستاني دام ظله في لبنان، في مضمونها وسطورها بحثية فكرية، بقدر ما هي تعبير عن مناسبة، أراد منها أن تترجم عنوان المهرجان بأبعاده الفكرية والثقافية والدينية، مؤكداً أن قيمة الإنسان لا تنفك عن قيمة ارتباطه بوطنه وحفاظه عليه والدفاع عنه.

                 وقد أستهل الأستاذ الخفاف كلمته بقصيدة من وحي المناسبة، عبر فيها عن المحبة بقوله: والحبُّ ليس عواطفاً جياشةً/ وخواطراً تُملا بها الأورا ق/ الحبُّ أن نهب الحياة رخيصة / إنْ دنستْ أوطاننا الفساق.

                 وقال في كلمته، بعد أن شكر الحضور على مشاركتهم هذا المهرجان:

              في عالم عربي وإسلامي يمرّ بمخاضات عسيرة، تستباح فيه الأوطان، وتنتهك الحرمات، وتختلط المفاهيم، ويُستعان بالغريب على القريب، في فورة جاهلية ليس للدين والعقل والحكمة فيها مكان. فأضحى أبناء الدار يقتلون ويذبحون، ويدمرون بلدانهم!! وما كان هذا ليحدث لولا انخفاض منسوب حب الأوطان في نفوسهم بل انعدامه في مشاعرهم، وموته في أحاسيسهم.

    عنوان المهرجان

              لكل ذلك، وفي هكذا ظروف، إختار المشرفون على إقامة “مهرجان الصادقين عليهما السلام الشعري الثاني” لهذا العام عنوان: “حب الأوطان من الايمان”. في محاولة لاستعادة المفاهيم الأصيلة التي تبنى عليها هويتنا الثقافية والحضارية، والتي تتماشى مع الفطرة الإنسانية السليمة.

              والحديث عن الوطن طويل الذيل، يضيق به هذا المقام. إذ كيف بنا نتحدث ـ في دقائق معدودة ـ عن الوطن في القرآن الكريم والحديث والأثر وكتب الأمثال، ومعاجم اللغة، ودوواوين الشعراء قديمهم وحديثهم، ولله درهم فيما نظموا وأبدعوا. أم نتحدث عن تعريف الوطن، والتطور الزمني لمفهومه، وما نظّر المفكرون، وأصحاب العقائد الدينية والمادية فيه. فنتكلم عن مسقط الرأس، وربوع الصبا، أو عن وطن الذات والوطن العام، أو عن الوطن الفكري والعقائدي، أم عن الوطن المكين وليس المكان، وهو قبل هذا وذاك، حديث عن المشاعر الجياشة، والأحاسيس المرهفة، والعواطف المقدسة.

              ورغم صعوبة الاقتضاب ـ العدو اللدود للإسهاب والإطناب ـ سأركب الصعب متوكلاً على الله فأقول:

    لم ترد لفظة الوطن في القرآن الكريم بتاتاً، وإنما ورد فيه ما يدل على معناه بلفظة (الديار)، وقد ورد في عدة آيات كريمة.

              قال الله تعالى في سورة النساء 66: بسم الله الرحمن الرحيم “ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم..”.

    حب الأوطان في القرآن

              ويلاحظ هنا أمر في غاية الأهمية، وهو أن القرآن الكريم جعل عقوبة قتل النفس وإزهاقها بمستوى عقوبة الخروج من الديار وتركها. وهي مسألة تحتاج إلى دراسة متأنية لبيان أوجه الشبه والقواسم المشتركة بين قتل النفس والخروج من الديار (الأوطان). والغريب انني لم أجد في حدود ما استقرأته من كتب التفاسير قديمها وحديثها من تناول ذلك. سوى ما ذكره باقتضاب بعض متأخري المفسرين حيث قال عن قتل النفس والخروج من الديار: أنهما “متقاربان لأن الجسم دار الروح، والوطن دار الجسم”.

              وقال عز من قائل في سورة الممتحنة 8 و9: بسم الله الرحمن الرحيم “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم* إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون”.

              وفي هذه الآية جعل القرآن الكريم المقاتلة في الدين إلى جنب الإخراج من الديار، سببين مباشرين للتواصل والبر مع الآخرين أو عدمه. وإذا أمعنا النظر بالمعنى الايماني للمقاتلة في الدين وعن الدين نفهم بعمق ما أُثِر عن رسول الله (ص) قوله: حب الأوطان من الإيمان. وهو عنوان مهرجاننا لهذا العام.

              كما ورد عن الرسول الأكرم (ص) أنه خاطب مكة عند وداعها قائلاً: “…ولولا أني أخرجت منك ما خرجت”.

    الوطن في لغة الشعراء

              وقد زخرت دواوين شعراء العرب من العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا بما يؤرخ للتطور الحضاري لمفهوم الوطن ـ وحبه والحنين إليه ـ الذي تدرج من الحمى والمأوى والاطلال ومنازل الأحباب وصولاً إلى الوطن الجغرافي الحديث، وليس أشهر مما قاله امرؤ القيس:

    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل                بسقط اللوى بين الدخول فحومل

                 ولله در أبي تمام وهو يقول:

    نقلْ فؤدكَ حيثُ شئتَ من الهوى       ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ

    كمْ منزل في الأرضِ يألفه الفتى       وحنينُه أبداً لأولِ منـــــزلِ

            وسيبقى خالداً بيت شعر جادت به قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي:

    وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنه             نازعتْني اليه في الخلد نفسي

               ورحم الله مصطفى جمال الدين وحنينه إلى موطنه يرافقه حتى الموت:

    يا رملة النجف الشريف تذكري                  ظمأ العيون، ففي يديك الموردُ

    حنّت فكان لها بذكرك مسرحُ                    وشكتْ، فكان لهـــا برملك إثمدُ

              ورغم اختلاف المشارب والتوجهات، فقد تسالم الجميع أن الوطن في عصرنا الحاضر هو الكيان الجغرافي القومي والسياسي الذي يولد أو يعيش فيه انسان أو شعب، ويتخذه مستقراً دائماً له، يجتمع تحت رايته وتربط أبناءه جملة من التقاليد والعواطف والعادات والاهداف والمصالح المشتركة.

    حب الوطن في فكر المرجعية العليا

              وقد عُدّ حب الوطن من الايمان ومن أهم مظاهر ذلك: الحنين والشوق إليه، والإخلاص له، وحمايته من الأعداء، والتضحية في سبيله…

              لقد أكد سماحة السيد السيستاني دام ظله الشريف مراراً لأتباعه وطالبي مشورته ـ وهم من جنسيات مختلفة ـ على ضرورة التمسك بالانتماء لأوطانهم، واحترام عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم وهويتهم. وهو يرى أن (المواطنة) هي السبيل الأمثل لتحقيق العدالة الاجتماعية، من دون الالتفات لمفاهيم الاقلية والأكثرية التي تعمق الشعور بالتمايز والظلم.

              يقول سماحة السيد السيستاني دام ظله في رسالته لرئيس عربي سابق بعد تصريحه المشكك بولاء أغلب الشيعة لأوطانهم. يقول: ان ذلك ” يعني الطعن في وطنية عشرات الملايين من أبناء هذه المنطقة والنيل من مواقفهم المشرّفة في خدمة أوطانهم.

         إن هذه الرؤية تتجاهل حقائق التاريخ القريب والمعاصر في معظم هذه الدول كالعراق ولبنان والكويت والبحرين، إذ كيف يُنسى جهاد ملايين العراقيين في ثورة العشرين وتصديهم للاحتلال البريطاني ودفاعهم عن وطنهم كلما تعرض للاعتداء، وكذلك مقاومة اللبنانيين التي حرّرت معظم أراضيهم من الاحتلال الاسرائيلي، وأيضاً مقاومة رعيل كبير من أبناء الكويت عندما تعرض بلدهم للغزو والاعتداء، والموقف الحاسم لأهل البحرين في الاستفتاء على استقلالها؟

         كما ان هذه الرؤية تخدش في وطنية قيادات دينية وسياسية وفكرية وثقافية بارزة أدّت أدواراً مهمة في بلدانها وساهمت بصورة فعالة في تحرّرها ونيل استقلالها وفي رقيّها وتقدمها،ولم تبخل في سبيل ذلك بشيء من النفس والأهل والمال… إلى آخر رسالة سماحة السيد.

    وفي الختام

    وفي ختام كلمته رأى أن الشعر الرسالي لا ينفصل عن الواقع. هو صوته المدوي، هو هدير أمواجه، ونبض قلبه، وأنين أوجاعه. وأن الولاء للوطن وحبه والتفاني من أجله يسري في المخلصين من أبنائه مسرى الدم في العروق. فلا تزيله أو تضعفه تهمةٌ تثار، أو جنسية تسحب ووثيقة تُلغى، أو حاكم يبطش، أو سياسيون فاسدون، أو قوانين جائرة، أو جماعات تتناحر لتحيل ربيع الأوطان إلى جحيم لا يطاق.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *