الإثنين 21 أغسطس, 2017

    النفاق الاجتماعي اللغوي

    النفاق الاجتماعي اللغوي وأثره على اللغة والهوية

    بهيجة العباسي

       النفاق الاجتماعي اللغوي هو: استخدام نظام لغوي أو بعضه إخفاءاً لخلفية لغوية وإلباسا على السامع. وانطلاقاً من مفهوم النفاق، فهي حالة مرضية لها آثار سلبية على اللغة، هذه الظاهرة غالباً ما نجدها داخل أوساط الطبقات الغنية (البورجوازية) حيث منتموها يحصلون على هذه اللغة في مدارس أجنبية معتبرين أن استعمالها هو مقياس ودليل على الرقي والتحضر. يقول ابن خلدون في مقدمته(ص258) :” إن المغلوب مولع أبداًً بالاقتداء: في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداًً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به”. مما يفسح المجال للغة الوافدة الهيمنة والسيطرة على عقولهم، بل تطال حتى عقول النخبة المثقفة، فتصبح واجبة الاستعمال في تعاملاتهم اليومية والحكومية والإدارية، مهمشين لغتهم الأصلية ظناً منهم أنها لا ترقى إلى مصاف اللغة الأجنبية المهيمنة .

    فتعلم لغة أجنبية أمر مرغوب فيه إن أخذناه من جانبه الإيجابي، فهو يعني : معرفة حياة جديدة، ثقافة جديدة، انفتاح جديد في اطار تلاقح وتفاعل اللغات، لكن انبهار وتعلق واقتداء بالآخر على حساب لغته الأصلية، يجعل حبل الارتباط باللغة الأم يتقلص ويتقطع، وبالتالي العزوف عنها واحتقارها، ما يجرها الى الاندثار والنسيان والموت.

    ولما كانت اللغة من أهم مقومات الهوية واعتبارها أداة فعالة للإعلان عن هوية الشخص كما يقول  الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر في كتابه ( انطولوجيا اللغة) ” إن لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقري، هي حدود عالمي الحميم..”، فإن التخلي عن هذه اللغة هو تلازم مباشر للتخلي عن الهوية. فاللغة مرآة لكل أمة ؛ فإذا كانت هذه الأخيرة ضعيفة ضعفت لغتها، وإن كانت قوية تقوت لغتها وسيطرت على باقي اللغات. في هذا الإطار؛ يعترف ابن خلدون بأن اللغة المستعملة هي لغة الغالب، واستدل على ذلك بمكانة اللغة العربية في الحضارة الإسلامية وما أفرزته من سيطرة على مجالات العلم والبحث والمفاهيم والمصطلحات .

    وقد انعكست نظريته هاته، على عهد الاستعمار وما خلفه من تبعية لغوية فكرية ثقافية، فقد أصبح العالم العربي حالياً يعيش أزمة التبعية اللغوية والإقصاء اللغوي مما يؤثر سلبا على عطائه الفكري والعملي. فلا أحد ينكر على أن المواطن العربي يفرض عليه إتقان لغة أجنبية على الأقل للحصول على وظيفة، وهو إقصاء خفي للإبداع والعطاء وعامل قوي للتهميش الاجتماعي. في هذا الإطار، نورد مقولة أحد المفكرين حيث يشير إلى أنه “غالباً ما يكون الإقصاء والنظرة الدونية، مرتبطة بالفقر والمرض والمجاعة، ولكن الإقصاء اللغوي أو النظرة الدونية المتعلقة باللغة، قد لا نلاحظها بشكل مباشر”.

    أمام هذه الهيمنة اللغوية وما أفرزته من تشوهات على ألسنة المواطن العربي، يبقى سلاح التعليم والتدريس من خلال التعريب والابتعاد عن الاقتداء بلغة الغالب، هوالمنفذ الرئيس لتقوية اللغة الأم من جهة والحفاظ على الهوية من جهة أخرى.

    pp1pp2

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *