الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    فدوى طوقان وعلاقتي بالشاعرة

    في ذكرى رحيلها

    فدوى طوقان، وعلاقتي بالشاعرة

    المتوكل طه

    toqanكيف أصف علاقتي الشخصية بهذه الشاعرة الكبيرة؟!TAHA-1

    كيف أصف رهبتي وأنا أتقدم إلى بيتها المتواضع على أحد أكتاف جبل جرزيم في نابلس؟!

    كنت أذهب إلى شجرة حور عالية، أظلتني بشعرها وسمعتها وإنجازاتها!!

    كنت أذهب إلى شعرنا الفلسطيني الكلاسيكي، المتين والمحكم وصاحب الموقع المتميز!!

    دهمتني الروائح، والأزهار، والجو العابق بحضور دافئ وكثيف، تقدمت الشاعرة بكل شيء، بابتسامتها الواسعة وعينيها الطيبتين اللتين تشعر معهما أنهما كانتا في بكاء أو أنهما توشكان على البكاء، بوجهها العريض الأبيض المتغضن، ذلك الوجه الأمومي، بالجبهة العالية الواسعة المريحة، والألق الخفي الذي يشيع حولها، كل شيء في ذلك البيت يدعو إلى الراحة والهدوء، الشاعرة وبيتها وأشياؤها، في انسجام تام، كأن كل شيء يعرف كل شيء آخر، كأن لكل شيء قصة وحكاية، وكأن كل شيء حولي في الغرفتين المتجاورتين له حكاية خاصة وترتيب خاص، والورد في كل مكان، ورود ضاحكة وأخرى ضامرة، وثالثة خجولة ورابعة متوارية وخامسة متسلقة عابثة وسادسة عارية أو متعرية، الورد هناك كالقصائد، وكعرائس الخيال، توتر داخلي وأنا أشاهد ذلك الأثاث القليل والمتقشف، لم يبد لي حينها أنه كذلك، بل رأيته وجوداً يتحدث معي عن الشاعرة، عن صاحبته، التي لم تتوقف عن الترحيب والابتسام. الإنسان في بيته غير الإنسان خارجه. الإنسان في بيته يكشف عن نفسه، عن وجدانه، وعن جزء ما من شخصيته. البيت امتداد ما لدواخلنا ولرغباتنا.

    كان بيتها يشبهها، متقشف من الخارج، يضج بالحياة من الداخل، غامض وفيه عتمات وغبار، ولكنه يموج في عبق خاص من روائح وحضور، كان عالياً ومشرفاً دون صخب أو بحث عن شهرة، كان خاصاً بحجارته وأثاثه، وخاصاً في وجوده وتميزه، كان البيت الذي يميل إلى عدم الترتيب يُشعرك بصاحبته وروحها، حتى الألوان الغامقة التي تتآلف مع ألوان الورد المختلفة تدعوك إلى التحديق بكل هذه الروح التي جمعت كل هذا العالم مع بعضه البعض.

    كنت أيامها منشغلاً بالكتابة عن الشاعر الكبير إبراهيم طوقان ضمن رسالة الماجستير التي طال عملي بها لأسباب خارجة عن إرادتي، كان ذلك في الثمانينيات، ورغبت يومها أن أتعرف إلى حياة هذا الشاعر الذي عاش ومات كشمعة سريعة الاشتعال والاحتراق والانطفاء.

    شكل لي هذا الشاعر هاجساً قوياً، ورسم في أعماقي صورة عجيبة له، كشاعر عابث إذا أراد، جاد إذا أراد، يحتوي على كل هذا القدر من الإحساس بقمة اللاجدوى وقمة الإحساس بالمسؤولية، وكيف استطاع أن يجمع بين جوانحه قلباً غزلاً وروحاً ساخرة فكهة ووعياً سياسياً شاملاً. لوهلة ما أحسست أن ما يربطني بهذا الشاعر أشياء تتعدى الشعر إلى المزايا الشخصية.

    وهأنذا اليوم في بيت شقيقته أسألها عنه وعن أوراقه وعن أسراره، كنت أريد أن أتسلل إلى عالم الشاعر من بوابة شقيقته الشاعرة الأخرى، ولم أكن أعرف أنني سأقع أسيراً في عالم هذه الشاعرة بالذات.

    أخذني هدوؤها وسلامها الداخلي تماماً.

    أخذني هذا الجو المفعم بالفوضى واللون والرائحة والتنسيق الذي تتخيله ولا تجده.

    أخذتني طريقة الكلام الهادئ الممطوط الذي لا يريد أن ينتهي..

    أخذني هذا القلب الذي يسع كل شيء.. قلب الأم وقلب المرأة وقلب العذراء وقلب الشاعرة.

    أخذني هذا العالم المليء بالحكايات والقصص والأماكن..

    ومنذ ذلك اليوم، لم أنقطع عن علاقتي بها أبداً.

    كانت بالنسبة لي، الشاعر في ديمومته، الشاعر في زمانه، الشاعر في تذوقه لشهرته وإبداعه وعلاقاته، الشاعر في حكمته وحنكته وعبثه، الشاعر في شيخوخته وفي شبابه.

    كنت أذهب إليها في بيتها المشرف ذاك، نطبخ لها أو نقدم لها الشاي، نسقي أزهارها، ونستمع لحكاياتها وذكرياتها وأشعارها. وكنت اصطحبها إلى بيتي في رام الله، فتقضي أياماً مع أسرتي، تقضي أوقاتها تلعب مع أطفالي وتنام معهم،  كنت ألحظ سعادتها البالغة وهي تعابث الأطفال وتنسى نفسها معهم. كانت تتورد وهي تقضي جل وقتها مع الأولاد..

    وكانت تتورد وأنا أعلّق على اهتمامها بماكياجها الخفيف المرسوم الذي تحافظ عليه بكل الأناقة وكل التفاصيل، كانت تتصرف كفتاة خجولة حتى في شيخوختها، وكان ذلك فاتنا حقاً. كانت خفيفة مثل فراشة، ناعمة حتى لا تشعر بوجودها، ترغب أن تتحرك في البيت كنسمة لا تترك إلا الأثر الطيب، ولهذا أحبها كل من في البيت، حتى صار الجميع يُسر إليها بالأسرار والرسائل، وحتى صارت تُطلب للزيارة.

    كنت في بعض الأحيان “أضبطها” نائمة في ضجعة لها في الصالون أو في الحديقة، فأتأمل تلك الشاعرة على أريكتها كزرّ ورد لاهٍ عن سواه، فأتساءل عن سر تلك القوة التي جعلت منها تملأ الأسماع وتلفت الأنظار، أحدق في ذلك الوجه العريض الأبيض الذي تألم ثم أضاء، فأحس أن للإنسان ما سعى، كما قال رب العالمين.

    أعتقد هنا وأنا أتحدث عن شاعرة كبيرة راحلة أن علاقتي بها قد أفادتني كثيراً على مستويات عديدة، فقد كانت كريمة كل الكرم في إعطائي أوراقاً وقصائد خاصة لشقيقها الراحل، وحدثتني عنه ما لم يعرفه أحد، وكانت عوناً لي في أن أكتب عن شقيقها ما وسعني الحب والكتابة والمعرفة، وكانت كريمة معي في أن فتحت لي قلبها وذكرياتها وما مر بها من أيام وسعادة وشقاء، وكانت كريمة في ذلك العطاء الكبير لشاعرة ترغب أن تنقل ما للشعر من بهاء وقوة وحكمة وإنسانية.

    وأعتقد هنا، أيضاً، أنني شددتها، من عالمها الأقرب للعزلة، إلى حياتنا المضطربة في تلك الأيام، أيام الانتفاضة الأولى، حيث الشعراء والأدباء كانوا في الخنادق الأولى من الفعل الكفاحي، وكان أن راحت شاعرتنا الكبيرة تتفقد أحوال هؤلاء والسؤال عنهم، وبلغ بها الأمر إلى أن تعطي بعضهم مبالغ من المال ليستعينوا على حياتهم الصعبة.

    شددتها إلى مناسبات مختلفة، ليتعرف عليها أناس جدد، ويسعد بها الكثيرون من الزملاء الذين لم يجلسوا إليها أبداً، وكنت أرى فرحتها الغامرة في مثل تلك المناسبات، كانت سعيدة بالوجوه والطقوس واللغة الجديدة، وكانت فدوى تستمتع بصمت، تسمع أكثر مما تناقش، وتجامل أكثر مما تجادل لكنها وفي بعض الجلسات الغامرة بالشِعر والغناء .. كانت تتماهى مع المغنيين حتى أنها التقطت آلة العود، غير مرّة، وراحت تدوزن عليه نغمات بعيدة، تنساب من أناملها، كأنها أمواه فضيّة يتناثر رذاذها حتى يبلل الجدران والقلوب .

    وحرصتْ شاعرتنا، لفترة طويلة ،على المشاركة وحضور أمسية الخميس .. التي كان اتحاد الكتاب يقيمها أسبوعياً في “مسرح الحكواتي” أو في “مسرح القصبة” ويحضرها أبرز أدباء فلسطين وشعرائها ونقادها وفنانيها، حتى أن المسرح كان يضيق باحتشاد الحضور الذين جاءوا ليروا فدوى طوقان أو سميح القاسم وتوفيق زياد أو عبد اللطيف عقل وعلي الخليلي أو اميل حبيبي ويسمعونهم والآخرين ، أو ليشاهدوا أحمد أبو سلعوم وحسام أو عيشة والمبدعين معهم وهم يؤدّون أسكتشاتهم المسرحية اللاذعة العميقة، أو ليكونوا ” كورالاً” يغنّي مع مصطفى الكرد أو جميل السايح أو د. محمود العطشان أو فدوى طوقان تعزف وأبو سلعوم يتماهى معها في غناءٍ سرعان ما يصبح جماعياً طافحاً بالتصفيق والاهتزاز ..

    ولقد استمرت تلك الليالي لمدة تجاوزت الثلاث سنوات، حتى جاءت اتفاقيات أوسلو، ووجد الاحتلال الإسرائيلي سبباً لوضع الحواجز على مداخل المدينة المقدسة، ويغلقها في وجوهنا ! لقد كانت تلك الليالي أشهى ما شهدته القدس ومسارحها من ندوات لم تنقطع ، بقدر ما اشتعلت وأضاءت ليل الأزقة والمنصّات بقراءات شعرية ومداخلات نقدية كان يقدمها أساتذة النقد في جامعاتنا ، وخاصة بيرزيت، وفقرات غنائية ووصلات رقص شعبي ودبكات تصطهد لها الأرض ، وتتورد معها وجوه الحضور الذي يضع فدوى في صدر الجلسة باعتبارها العنوان الأسمى الذي تتجه إليه العيون والكلمات .. والأجساد .

    وبهذا الصدد، أذكر يوم أن دعينا لحضور زفاف كريمة الصديق الشاعر المرحوم عبد القادر العزة في بيته في بير نبالا، كان المرحوم كريماً ومضيافاً، فأبدى اهتماماً شديداً براحة شاعرتنا الكبيرة، بحيث شدت الأنظار إليها، وأعجبها ذلك، وتألقت يومها وتوهجت، كانت سعيدة بالفرحة والرفقة والألفة التي اجتمع فيها أهل فلسطين يعبرون عن أفراحهم بطرقهم العديدة ودبكاتهم ولهجاتهم، وعندما حان وقت خروج العروس مع عريسها، أمسكت الشاعرة الكبيرة بذراع العروس وأخذت تنصحها بلغة حارة وصادقة حول كيفية إسعاد الزوج وتوفير الراحة له، وتدفّقت الشاعرة في نُصحها وكلامها، قالت للعروس ما ذكّرني بتلك البدوية التي نصحت ابنتها ليلة زفافها، كان كلام الشاعرة يصدر عن قلب حقيقي أحبّ وذاق وعرف الألم واللوعة والفراق، قلب عرف الاشتياق والالتياع. كانت تلك لفتة كريمة تكشف ما في قلب الشاعرة وروحها من التّوق والحنين للاجتماع والرفقة، وأسأل بعد تلك السنوات: هل كانت ترغب شاعرتنا أن تكون أمَّ العروس أمِ العروس نفسها؟! ويحضرني الآن أن شاعرتنا الكبيرة لم تتحدث يوماً عن كراهيتها للرجال أو نضالها ضدهم، أو جعلهم خصوماً وأعداء، ولم تتشنج ضمن مقولات شاعت في العصر الحالي حول مفاهيم الأنوثة والنسوية والجندر، ربما كان العكس هو الصحيح، فدوى كانت تحب، تحب كل شيء، الحياة باعتبارها الاختراع الإلهي الأروع والأجمل والأكثر جدارة بالتذوق. وعندما ألم بها عارض في شتاء العام (2001) ومكثت في مستشفى الرعاية العربية في رام الله، ذهبت لزيارتها، وهناك على سرير المرض، كانت ما تزال تحتفظ بذلك الألق الخفيف الذي يحيط بجرمها القليل الضامر، كانت ابتسامتها أوسع رغم إنهاكها وشحوبها، كان جلدها الأبيض المتغضن يزداد إشراقاً رغم ذلك الإجهاد الذي يطل من العينين الطيبتين..

    على سرير المرض ذاك، تحدثت عن الدنيا الجميلة، وذكرت الآخرة..

    الشاعر دنيوي!!

    الشِّعر دنيوي!!

    قربي من هذه الشاعرة الكبيرة، أشعرني شخصياً بمسؤولياتي كشاعر، وضع أمامي قضية الشعر باعتبارها قضية جمالية بالدرجة الأولى ومن ثم قضية وظيفية تؤدي رسائل أو تحملها، الشعر ليس للترف وليس للعب وليس للتجمل وليس وسيلة تسلق أو استرزاق، الشعر قضية وجودية حقيقية، الشعر حياة كاملة، الشعر مسؤولية، الشعر جمال وذوق وحضارة، الشعر تاريخ، الشعر أنا، الشعر جماعتي، الشعر ما أحلم به، وما أرجوه وما أتمناه، الشعر هو جميلنا وسرنا وآخر ما نحن عليه.

    استمرت علاقتي بالشاعرة الكبيرة قرابة عقدين، عرفت منها أن الشاعر يظل شاعراً مهما رأى وعاش، ومثلها، مَنْ تلقّى الجوائز والأوسمة وطاف في البلدان ورأى أولي الأمر والمشاهير، وقوبلت بالترحاب أينما ذهبت، فإن من الصعب أن لا يتغير المرء، ولكنها كانت تعود في كل مرة إلى بيتها المشرف المتواضع والمتقشف، ترعى أزهارها وتعيش مع ذكرياتها، وتحاول كتابة قصيدتها التالية. كانت تترك العالم وراءها لتعود إلى نابلس، مدينتها الأولى، وعشقها الأول، وعذاباتها الأولى. كان ذلك يسحرني منها، كان بإمكانها أن تغير حياتها، وأن تغير مكانها، وأن تستثمر علاقاتها وأن تتحول إلى نجمة صحافة أو نجمة صالونات، ولكنها لم تفعل، بل فضلت ذلك البيت المتقشف في نابلس الذي يُطل على كل بيت من بيوت المدينة.

    وكأني بها كانت تكتفي بذاتها، وبآلامها، وبأشعارها وأزهارها، لا تطلب أكثر ولا تريد أكثر، كان هذا الجانب منها يسحرني ويشعرني أنني بجوار شاعرة حقيقية لا تريد من الدنيا سوى شعرها وروحها فقط.

    علاقتي بها، علمتني أن الشاعر الحقيقي يركض وراء روحه ويبحث داخله ويحفر في أعماقه، لا تعميه الأضواء ولا تغشيه الفلاشات.

    وأزعم بهذا الصدد أن عملي – كشاعر وباحث وكاتب – تغيّر كماً ونوعاً بعد انتهائي من كتابة رسالة الماجستير عن إبراهيم طوقان، أعترف أنني شعرت بالغيرة، وأعترف أن هذه الغيرة كانت محمودة وإنها دفعتني للاستثمار جيداً في الوقت والجهد والتخصص.

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *