الأحد 24 يونيو, 2018

    بداية «التوحُّش» الديني

    1
    views

    نهاية الإصلاح السياسي وبداية «التوحُّش» الديني

    نصري الصايغ

     

    nasri-sayegh«تنتهي الحياة، حيث يبدأ الملكوت… الكنيسة تكافح الأهواء بالاستئصال، بالقضاء على شهوة الجسد والأنفة وحب السيادة والتملك. ومكافحة الهوى من الجذور، (هي) مكافحة الحياة من الجذور، فسلوك الكنيسة ضارّ بالحياة».

    القطيعة بين الكنيسة والدولة والسياسة، التي فرضتها موجبات العلمانية الأصولية، أفضت إلى تعديل في مسارات التبشير والتأثير المسيحي. عزلت الكنيسة عن كرسي السياسة، لتستقر فقط في كنيسة بطرس وفروعها العالمية المنتشرة في القارات الخمس… تبسط الكنيسة هيمنتها الايمانية في فضاء الروح، وهذا حق من حقوقها، ولو كان هذا لا يتناسب مع منطق الحياة، كما يراه نيتشه، لدى هذا، الحياة أولاً، والحياة ابداع وخلق وليست تلقياً أو منحة. هي كسب بجهد وفعالية. ليست تقليداً ووراثة، ولأنها كذلك ضمن موجباتها، كحياة، التحرر من قيود الأوامر، وربقة التقليد، تمهيداً للانفكاك عن المقدس. الدين في ممارسته، فعل أمر. يترافق مع فعل الترغيب وأفعال الترحيب. الحياة فعل إنشاء.

    يحدث هذا في عالم بات فيه الدين المسيحي في مكانه الطبيعي، بعيداً عن الفعل السياسي والتحريض الديني، قابلاً بالتعدد، متناغماً مع الحرية بنسبة مريحة. لم تعد الكنيسة قيداً، لأنها صارت مقيّدة.

    ماذا عن الإصلاح الديني في بلاد العرب؟ النتيجة كارثية.

    قياس الإسلام الراهن، بعد مئة عام على محاولات التحديث والمواءمة، يدعو إلى الشفقة. حدث الضدّ تماماً. عاد الدين إلى جذوره، نصاً بلا روح ولا تاريخ… محاولات رواد الإصلاح للفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، بين اللاهوت والناسوت، بين المدنّس والمقدّس، باءت بالفشل. تتعرّض الحياة العربية منذ سنوات، إلى غزوة دينية دموية بعنف تكفيري، تفوّق على أعتى مخيلة، في ابتكار أدوات التعذيب والقتل والإبادة والترويع. غزوة دينية بترسانة نصية مبرمة، بحرفية صماء، تجرف تراثاً من الإبداع الديني والفكر العربي والتراث الإنساني… غزوة، ما تزال في بداياتها، وتنبئ بكارثة تشبه الخوارق.

    الإصلاح ولد ميتاً

    فشل الإصلاح الديني، كأنه ولد ميتاً. أو، كأنه مشروع وئد قتلاً. نبادر إلى القول، المشكلة ليست في النصوص، بل في النفوس. النصوص الدينية، توارة وانجيلاً وقرآناً، حمّالة قراءات متعددة ومختلفة ومتناقضة. حدث أن كان كل إصلاح يقود إلى انشقاق فحروب. الاجتهاد، بدعة حميدة لمن يقبلها وبدعة هرطوقية لمن يرفضها. الحل أيضاً ليس في تكثير الاجتهاد عبر اللجوء إلى تفسيرات للنص، فلا التفسيرات التي تجاري السلف مقبولة من الأكثرية، ولا التفسيرات التي تجاري التاريخ مقبولة كذلك، ولا التفسيرات أو الاجتهادات التي تجاري العصر مقبولة. كثرة التفاسير، تعدد الاجتهادات، ثروة عقلية وفتنة بين المؤمنين. تاريخ المسيحية يظهر ذلك، وتاريخ المذاهب الإسلامية يفسّر ذلك. الحرب الدائرة بين المسلمين، سنة وشيعة وعلويين وإسماعيليين ويزيديين و… هي ابنة شرعية لاجتهادات السلف… حرب المئة عام الإسلامية، بدأت منذ أعوام، ولا أحد يدرك متى تكون نهايتها.

    الإصلاح الديني في الكنيسة الكاثوليكية أورث ردات فعل على مستوى العقيدة، لفرق دينية متطرفة. كالفن الشهير، حوّل مدينة جنيف عندما حكمها باسم البروتستانتية إلى قندهار. دمّرت تماثيل. أُحرقت كنائس، عوقبت جماعات، طُردت جمعيات، لوحقت إيمانات، أُعدمت هرطقات. من قبل كنائس، مدعومة من سلطات سياسية، على هواها الديني والمذهبي… أبشع الحروب، هي حروب ما بعد حركات الإصلاح في بريطانيا وروما وفرنسا و…

    ولكن، وفي نهاية المطاف، أبعدت الكنيسة أو الكنائس عن الدولة، بالقوة. الثورة الفرنسية أجبرت الكنيسة على التخلي والتراجع وألزمتها حتى بدونية الوجود. في امكنة أخرى، ألزمت بأن تكتفي بنصوصها وبقصر مؤسساتها على شؤون الدين والعبادة والممارسة والروح، بعدما انتزعت منها بالقوة، ما كانت قد استأثرت به من خلال تبوئها السلطتين، الدينية والزمنية.

    نجاة الكنيسة كان بسبب هزيمتها السياسية، وليس بسبب انتكاسة أصابت تفسيراتها النصية، وتوجهاتها الايمانية. اقتنعت الكنيسة بدورها المقتصر على الروح، وهذا ما رآه نيتشه بأنه خطر على الحياة من جذورها، لأن الحياة لا ترسم تدفقاتها النصوص، بل الارادات المتحررة من القبليات.

    «المعتزلة» لمرة واحدة فقط

    الإصلاح في الإسلام يحتاج إلى برهان. المحاولة الأجرأ والأسبق، كانت تلك التي أقدم عليها المعتزلة. محاولة جادة وصارمة باءت بالفشل. نجحت برافد الخلافة (المأمون) وخسرت برافد خلافة مضادة. لا تسقط العقائد بحروب العقائد، بل بالحروب السياسية وفي ميادين المصالح والقوة. بعد المعتزلة، انتصر النص، وكان ذلك مناسباً لاستقرار الخلافة واطمئنان الخليفة.

    …بعد مئة عام من المحاولات المترددة لفعل الدين عن الدولة، فازت مقولة السلفيين وتقدّمت على ما عداها، عندما لم تجد سداً في مواجهتها. كل السدود كانت هشة، لقد اعتبر السلفيون أن العلمانية بمعيار الدين مرفوضة، «لأنها دعوة إلى حكم الجاهلية، أي الحكم بما وضع للناس، لا بما أنزله الله» (القرضاوي).

    لقد افضت معركة الإصلاح الديني عملياً، إلى هزيمة تيار الإصلاح، وإلى نفي وإلغاء وتكفير محاولات روّاده، وإلى فوز أبو الأعلى المودودي في مذهب «الحاكمية» واستقواء «الإخوانية» الباحثة عن فرصة لاستعادة الخلافة. ومن بطن «الإخوان» ومن رحمهم، ولدت الأصوليات السياسية المرتكزة على تقيّد متزمّت بالنص، حرفاً حرفاً.

    اختفاء الرواد

    انتهى زمن علي عبد الرازق. حيث الإسلام دين لا سياسة، ورسالة لا حكم، وروحانية لا دولة، مقيماً حداً فاصلاً بين الدين والدولة، فالأول إلهي والثانية صنع بشري… لقد صمت عبد الرازق منذ زمن. قامت عليه المؤسسة الأزهرية. طه حسين بات منسيّاً. أُجبر على حذف الكثير من كتابه «في الشعر الجاهلي». كل مَن دعا إلى القطيعة بين الإسلام والدولة واستحالة التوفيق بينهما، لم يعد موجوداً. حذفته السلفية والأصوليات المستشرية في المذاهب الإسلامية كافة. لا أحد يتذكّر قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وسلامه موسى، وفؤاد زكريا وفرج فوده ومحمود أمين العالم ونصر حامد أبو زيد وآخرين… الحاضرون اليوم في الميدان، بكل العنف المصاحب، حسن البنا والقرضاوي وفتاوى الفتنة والتعصب.

    الإصلاح الديني ليس إصلاحاً لمفاهيم الإيمان وفروض المعاملات وموجبات التقيد بالمرامي القيمية للدين. إنه، قبل كل شيء، الدعوة إلى مواكبة التطور. نادراً ما كان الدين قاطرة باتجاه التطوير، بل كان مقطوراً بالتقدم العلمي والفكر الفلسفي والإبداع الحياتي والتقدم الحضاري. لذا، لا يعوَّل على إصلاح ديني، بمعزل عن الظروف التاريخية التي تفرز بيئة تفرض على الدين أن يستجيب للتحدي، فإما يعاند ويخسر وإما ينهزم فينتصر. أي يفرض على نفسه أن يتطور فينجح، ويصير جزءاً حيوياً من العصر ويدفع المسيرة إلى التقدم.

    لا إمكانية للإصلاح الديني، في مجتمعات متخلّفة، لم تحدث بعد ثورتها العلمية والثقافية والفكرية والسياسية… البيئة العربية رزحت بعد موت «الرجل المريض» تحت حكم استعماري واحتلالي، ثم ناءت تحت حكومات ديكتاتورية مهينة للكرامة ومذلّة للإنسان ومنتهكة إنسانيته… في ظل هذا الجو الكالح، صار الدين ملاذاً وأملاً ومشروعاً للمستقبل… استبدل الإصلاح الديني، بالمشاريع الدينية السياسية، لأن أنظمة الحكم، ألغت السياسة وفشلت في تحقيق شعاراتها في التحرر والتحرير والتنمية والعدالة والمساواة، فيما نجحت في القمع والسلب والاستبداد والاستهانة بالشعب، وتفوّقت في التبعية وطلب الحماية، وتسابقت إلى تبني الهزيمة في مواجهة إسرائيل، وتحوَّلت إلى متسوّل يطلب حلاً مذلاً، ولا يتحصّل عليه.

    الإصلاح السياسي سابق على الإصلاح الديني. لا معنى لإصلاح ديني لا يحسم بين ما هو سياسي وما هو ديني. وإذا كان لا بد من عناوين يُسأل عنها الدين، بمؤسساته ومرجعياته، غير المنخرطة في التكفير والتقتيل، فهي عناوين لا بد من حسمها: التعدد الديني والمذهبي وشرعيته، الحرية الفردية وحرية الخيارات. المساواة بين الناس. المساواة بين الرجل والمرأة. الشعب مصدر التشريع. السلطة مدنية لا دينية. التعليم… إلى آخره.

    لقد أضفنا قرناً من الزمن. دخلنا قرناً آخر مترعاً بالدم والتخلف. نعيش رحلة التوحش الديني واحتلاله بصيغة بربرية مسبوقة.

    (نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-11-06 على الصفحة رقم 10 – السفير )

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *