الخميس 17 أغسطس, 2017

    الشعر وفلسطين والعالم

    الشعر وفلسطين والعالم

    عاصف الخالدي*   

    3asefلا يتوقف هذا السؤال عن التردد في مخيلتي منذ زمن طويل: يا ترى من هو الأقدم: الشِعر أم العالم؟. كان هذا العالم صغيراً منذ أمدٍ بعيد جداً، لا يتجاوز مساحة صغيرة من الأرض يجوب فيها عدد قليل من البشر مكافحين لأجل طعامهم وبقائهم فقط. لم يكونوا ينظرون لأبعد من ذلك في تلك البدايات السحيقة. أين كان الشعر في ذلك الوقت ؟. لا أحد يعرف إجابة لهذا السؤال على الأغلب. لكنه وقبل اختراع اللغة كان كامناً، مثل مادةٍ أولى، مثل أصل لشيء، أو أشياء كثيرة أخرى لم يكن الإنسان ليلتفت إليها في ذلك الوقت.

      ما دفعني لاستعادة التفكير في سؤالي هذا عن الشعر هو ما قرأته في السنوات الأخيرة في الشعر، والشعر الفلسطيني تحديداً والذي بدا لي في تجارب عديدة لشعراء فلسطينيين شعراً كونياً وإنسانياً تجاوز مراحل تم صبغه فيها بصبغات الإلتزام والخطابية والمقاومة دون التركيز على محتواه الفني ومنحه أفقاً أوسع، ليتحول إلى شعر أكثر كونية وأصالة وقرباً من قلب هذا العالم وهذا بالطبع ما جعله أكثر فلسطينية و وطنية من أي شيء سبق. بالعودة إلى علاقة الشعر بالعالم فهي لا بد علاقة غير قابلة للتحديد أو الحصر، وهذا ما يجعلهما واحداً في أصلهما في أغلب الظن، وهذا ما لمسته في تجارب الشعراء: خالد الجبور، غسان زقطان، مهيب البرغوثي كأمثلة حية لم تزل تكتب وتتفاعل حتى هذه اللحظة مع الشعر والعالم. من أين تحصل على القصيدة إذن؟. في شعر مهيب برغوثي تراه يتتبع تحولات الإنسان الفلسطيني ونظرته إلى العالم والبشر الآخرين بصفته كائناً مختلفاً تعرض لمحاولات سلب تراكمية وطويلة من قِبلِ صيغة احتلالية لا تعترف بالشعر أبداً، يكمن اختلافه في بحثه المستمر عن لغة شعرية تصنع إنساناً حراً وواعياً بالحياة والمستقبل رغم محاولات الإفراغ  والإحلال التي تستمر بممارستها القوى الإحتلالية مستبدلةً روح الشعر  ومعانيه الحية بجوامد شبحية تستمد مصطلحاتها من آلات الحرب والقمع لفرضها كوعي دائم على الأرض وعلى الشعر. ولأن الشعر يخضع لعملية تشويه في مختبر هذا العالم الذي تصِر قوى الإحتلال أنه ينتمي إلى صيغتها اللغوية القائمة على التزييف وتصنيع واقع يستوعب الآلات الحربية ولا يستوعب الإنسانية فإن الشعر هنا وعلى النقيض يتحدث إلى العالم كجزء ينتمي إليه منذ أمدٍ بعيد، يفهمه مهما تقطعت السبل، هذا ما يقوله الشاعر مهيب البرغوثي عندما يكتب إلى العالم عن جسده الشعري (جسد العالم) وما حل به من خراب بعد استخفافه بالشعر لصالح صيغة عنيفة، محسوسة إلى حد الألم، إن الشاعر هو العالم، والعالم هو الشعر، إن أصابع الإنسان واحدة، ليست فلسطينية فقط، إن روحه واحدة وقصيدته واحدة، يتساوى في الحياة، يتساوى في الموت، والعدوان يمسه كله، في أي مكان كان، سواء في فلسطين أو بعيداً، إنه لن ينجو من الألم، عن هذا كتب مهيب ضمن ديوانه مختبر الموت  : ( كل الأمهات الثكالى، اللواتي نسيهن العالم أمام دور العبادة، يشحذن خبز يومهن، كلهن، كلهن ، أمي.)

    وفي قصيدة بعنوان حرية من ذات الديوان كتب: ( الوجوه البلاستيكية التي تلمع تحت الشمس، لا تعرف أن تقول لك: صباح الخير، الأيدي المبتورة من الحروب، لا تعرف أن تلوح لك بالوداع، وهذا العالم الأدرد و مفقوء العينين، لن يستطيع أن يقبل شفتيك ليقول لك: صباح جميل أيتها الحرية).

     في تجربة أخرى أتوقف عند الشاعر الفلسطيني غسان زقطان. يستمد غسان مخزون قصائده من كل ما يمثل الحياة والطبيعة  على هذه الأرض، مبتعداً عن أسلوب الأنسنة التقليدي في نصوصه معطياً الحقَ للمكان والكائنات وللجماد أيضاً في أن يقول كلٌ رأيه في الحياة والأحداث مستخدماً صيغته التي تخصه في محاولة عميقة لفصل وعينا المسبق بالأشياء عن وعيها الخاص !. ولا يمكن استخلاص هذا إلا من خلال بناء علاقة عميقة مع كل شيء ولا يتم هذا إلا من خلال الشعر بوصفه اللغة الوحيدة التي تفهمها وتتواصل وتشترك بها كل الأشياء فيما بينها وبين هذا العالم. تتفوق قصائد غسان بإعطاء كل شيء حقه في التعبير دون أي حسم في أي موضوع إنساني أو فني أياُ كان. الشعر في قصائده وبرغم عمقها وجمالياتها هو إشارة لما هو أبعد دائماً. بهذا تتفوق قصائده على الإحتلال الذي وعلى النقيض يقوم بمحاولات دائمة لتسييج المكان والزمان والإنسان والكائنات لإعطائهم هوية محددة، تخدم فكرة الإفراغ والسلب، في محاولة لفرض وعيه المسبق على كل شيء في هذا العالم، ليقنعه بأن صيغته الإحتلالية تسود أي صيغة إنسانية شعرية، وأن صوتها يعلو على صوت كل الكائنات. في ديوانه: لا شامة تدل على أمي كتب الشاعر في قصيدة طريقك بعيد وفألي حسن :

    ( ليس عندي فراش ولا غطاء،

    أغمضت أعينها الكهوف في المنحدرات فلم أهتدِ،

    تنشقت الضباع رائحتي وعوت الذئاب في إثري.

    وفي نهاية القصيدة يقول :

    الرعاة أخذوا اسمي ووزعوه بينهم مثل ذبيحة وأنت تبحثين في جسدي عن علامة، خذيني من يدي يا سارة، خذيني معك إلى مكة، طريقك بعيد، وفألي حسن.) وفي قصيدته بحكم العادة كتب:

     (  الجندي الذي نسيته الدورية في الحديقة،

     الدورية التي نسيها حرس الحدود على الحاجز،

     الحاجز الذي نسيه الإحتلال على العتبة. وفي نهاية القصيدة: مازالوا يطلقون النار على رؤوسنا دون أوامر، هكذا، بحكم العادة).

     أتوقف أخيراً عند الشاعر الفلسطيني خالد الجبور. الأكثر قرباً من الطبيعة بوصفه فلاحاً وراعي أشجار. في تجربته الطويلة وعلاقته بأدق تفاصيل الطبيعة وكائناتها من أشجار ورياح ومخلوقات وتضاريس، يختزل العالم كله في قطعات أرضه الصغيرة التي يرعاها قرب أسيجة الإحتلال، قصائده أيضاً تقيم هناك، تنبت وتنمو، تذبل خريفاً وتينع في الربيع، تتبدل أحوالها ولكنها لا تموت، الآبار الصغيرة التي يسقي منها الشجر ويشرب منها قصائده، الكهوف التي تنام فيها المعاني، وضواري التلال التي تفترس أي كلمات دخيلة في الليل، هذه وغيرها التي ينهل منها هذا الشاعر قصائده، من ماض شعري سحيق ومتراكم يمثل روح هذا العالم الذي يختزل الكون كله. يكتب خالد الجبور عن كل هذا وأكثر بوعي كوني منطلقاً من أن هذه الكرة الأرضية هي روح هذا الكون وقصيدته الأطول والأجمل. فلسطين مجرد قصيدة أخرى تقولها الحياة ويفهمها الكون بوصفها جزءاً منه، فيما الإحتلال، في أي بقعة وأي مكان، لا يملك صيغة عميقة يمكن لهذا الكون أن يفهمها أبداً. لأنه يعمل مرة أخرى على تجريف الأرض. في قصائد خالد الجبور تعرف الأرض أبناءها، ولا تعترف بأي قمع، بالرغم من الاحتلال المزمن ، ويعود المكان مرة أخرى ليعبر عن رأيه بنفسه رافضاً أي وهم تحاول القوة فرضه. كتب خالد الجبور في قصيدته تمتمات الدرويش:

    ( بين الكهوف الكنعانية المشرعات كالخيام

     أسمع حفيف أثواب الصوف،

    غرغرة الماء في جرار الفخار

    وأرى على جدران الجير ظلالاً تضيء :

    تلك أم أوقدت نار الصباح

    وأولئك أطفالها ينفضون أردية المنام )

    وفي مقطع آخر كتب:

    ( أتخلى عن جسدي، وأمشي في الأرض،

     أمشي لأنني أحب المشي دون جسدي

    أحب أن أراني في الأشياء المهملة التي نسيها الجميع،

    فاغتنمت حريتها

    أنا هذه الشجرة الجرداء في الصقيع

    وأنا تلك الصخرة المتدثرة بطحالب مجهرية

    أما الريح، فهي أمي التي لا تموت )

     يمكن اعتبار خالد الجبور أحد الشعراء المجددين لقصيدة النثر العربية  المعاصرة بصحبة الشاعر غسان زقطان المترجمة أعماله للغات عديدة حية، إضافة إلى الشاعر مهيب البرغوثي. إن علاقة الشعر بالعالم تتجدد من خلال شعراء كهؤلاء، وتعاد لها روحها الأصيلة والعميقة في تجارب يجب أن تقرأ عربياً وعالمياً، قصائد هؤلاء الشعراء أقرب إلى قلب العالم، وبالتالي فهي ترى العالم كله فلسطين، وترى فلسطين في قلب العالم. إنها تقول بروح واحدة مشتركة ومُتبادلة بأن الإحتلال لم يفرز حتى اليوم ولو قصيدة واحدة، وأن المكان والطبيعة والبشر لا يفهمونه ولن يفهموه، فيما الإحتلال يدرك بأنه لو تمكن من إنتاج قصيدة واحدة، فإنه سينتهي، وإلى الأبد . الشعر الكامن في كل شيء منذ الأزل، هو روح فلسطين وروح هذا العالم.

    ــــــــــــــــــــــــــ

    *روائي وكاتب أردني

    منقول عن:

    http://www.alhaya.ps/ar_page.php?id=b66796y11954070Yb66796

     

     

    مقالات ذات صله

    1. علي دهيني

      مقال جميل لا شك في مداخلاته ومحطاته.. إلا أنه لفتني موقف الكاتب أو رأيه في موضوع الشعر أو لنقل رؤيته للشعر..
      أقول: لا بد ان نعي بأن الشعر لون من ألوان الخطاب، ولسان جَهِدَ بأن يعبّر عن القضية بلغة غَرضية تُرفع من خلالها القضية إلى مدارك العقل ليحمل همّها ويخرجها من مضجعها لتصير موضوعاً في العقل يحاكيها تفاعلاً وأداة في حركته. إذن الشعر في بعده هذا ليس هو القضية، إنما هو لسان تعبيري يحمل القضية.

      الرد
    2. عاصف الخالدي

      كل الشكر والإحترام لرأيك وقراءتك استاذ علي . في الواقع لم أتعمد التطرق إلى ماهية الشعر بالمعنى الفني واللغوي. أردت الانتباه إلى ما أفرزه الإحتلال الغير انساني بمقابل ما أفرزه الإنسان الفلسطيني الواقع تحت الإحتلال. لا أرى أن الفن والشعر كأدوات وظائفية يجب أن تعني نوعا م نالالتزام تجاه قضايا سياسية وغيرها بشكل مباشر، يكفي أن يكون الشعر جميلا والفن جميلا بمواجهة أي بشاعة أو أدوات مفروضة على الواقع حتى تجعله بشعا

      الرد

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *