السبت 24 يونيو, 2017

    الحرب على أجساد النساء

    الحرب على أجساد النساء

    محمد علي شمس الدين

    حين يؤنث الشاعر الملاك ويرى الحرب تدور على أجساد النساء فإن الأسلوب يغدو بذلك انتهاكياً

    تأنيث الملاك

    465b6cbf-b7e4-415b-b36a-e4b2f8b11165حين يؤنث كريم عبد السلام «الملاك» في مجموعته «مراثي الملاكة من حلب» (دار الجديد 2015) فإنه، على الأرجح، يرغب في إحداث حدث في اللغة، شبيه بالحدث الذي أحدثته الحرب الدائرة في سوريا في أجساد النساء، وفي أعضائهن الأنثوية بخاصة، تلك التي يسميها الشاعر بأسمائها بين قصة وقصة، في نصي «خطبة أم البراء بعد هروب ميسون وانتحار فاتن» و «أم الشهاب أسيرة الروض العاطر»، فهو يتلبس عباءة تراثية في كل من النصين المذكورين، ويستعير من التراث الإيروتيكي مفردات كان استعملها الشيخ النفزاوي في «الروض العاطر».. إلا أن كريم عبد السلام يسقطها على أجساد نساء من حلب هن في قصائده بين منتهكات ومجاهدات. بين مغتصبات ومباعات أو معارات ومحترفات..

    وتسريب التراث الإيروتيكي العربي والإسلامي في النصين المذكورين من الماضي إلى الحاضر، جاء ساخراً وقاسياً، فهو يعبث من حيث التسمية «خطبة ام البراء» بخطب الجهاد القديمة المأثورة عن السلف، إذ يضعها على لسان «أم البراء» المجاهدة بأعضائها وشهوتها، في حلب، في الحرب الدائرة «ألسنتنا في أفواههم/ شفاهنا بين أسنانهم/ أردافنا بين أيديهم/ وبطوننا ممراتهم». لتنتهي إلى دعاء تستبدل فيه «أم البراء» التوسل بالغلمة: «اللهم ارزقنا القبل في سبيلك».

    ويتحول الجهاد في هذين النصين إلى نكاح جهادي، وتستعاد مفردات الحرب وآلاتها لتسند إلى أعضاء ذكورية مسماة بأسمائها، وإلى مجسات أنثوية من جسد المرأة من شفتين ونهدين وسرة وردف وأبعد من ذلك، فقد شقت «ريما» (إحدى نساء النصوص) نفقاً في داخلها لتعبر فيه من حلب إلى بردى، أما «أم البراء» فتنتهي في خطبتها تلك إلى استبدال ذكور المجاهدين ببندقية تضعها بين فخذيها.

    أجساد النساء

    لا شيء أفظع من أن ينظر إلى هذه الحرب الدائرة اليوم على الجسد العربي والإسلامي في سوريا والعراق وأماكن أخرى، من خلال أجساد النساء. أجساد النساء في الحرب أكثر خطورة وإثارة وأكثر تعبيراً عن انتهاك المحرم والفطري في الحياة البشرية على هذه الأرض، من مشهد جثة الطفل «إيلن» مرمية كلعبة نائمة على شاطئ المتوسط، ومن مشهد عشرات المكتفين الذين ينيشنهم مقاتلو الدولة الإسلامية في أكثر من مشهد، بل لعل الحرب في أساسها هي تلك التي تدور على جسد امرأة.

    نحن تجاه نصوص كريم عبد السلام، أمام مسرح عبث خالص، اتخذ من أسماء نساء وحوادث جرت معهن في الحرب شواهد هتك لكل المستور في السير واللغة، في الشرع والعبارة، في الحب والجنس والجريمة. ومن حيث يدخل كل شيء على مسرح النصوص عارياً عرياً تاماً فإن أهمية هذه النصوص تأتي من هذه الناحية بالذات، إذ لا يمكن أن ننتهي بعد قراءة «الملاكة من حلب» و«مراثي دنيازاد» و«بدر البدور والذئاب» و «القبل الطويلة لماغي» وسائر القصائد، لسؤال: أين ينام الكاتب في الحرب؟ أو لعباة برتولد بريخت «لماذا يصمت الشعراء؟».. لكننا، بلا ريب، سوف نقع في منطقة الالتباس الضروري للقصيدة أو القصة، وهو الالتباس بين الواقع والاستعارة، بين الحرب ونصها الإبداعي، بين الحياة والقصيدة أو السرد.

    فنحن مع النصوص، نميل إلى تصديق ما جرى بسبب غلبة الحوادث على كل منها، وتقنية الإخبار الغالبة على القصائد تقربها من فن اّخر موصول بأطراف القصيدة الحديثة هو القصة القصيرة. ولا تمنع طريقة التشكيل البصري للكتابة الشعرية من ذلك، هذا التشكيل الذي لم يستقر حتى الان، وأحسب أنه سيظل مرتجلاً ما دام الوزن المثبت للشكل مفقوداً. إذ لن نجازف في النوع الأدبي مثلاً لو اعتبرنا قصيدة «الحمال والبنات الثلاث» هي قصة، وأن تكتب بالشكل المعتمد للقصة «كنا ثلاث بنات من حي الشيخ مقصود بحلب، ثلاث أخوات أقمار نسير على الرمل فينبت العشب ونبتسم فتخرج الشمس من مخبئها. كنا ثلاث بنات وكان أبونا حمالاً يخاف الله والبنادق والأيام الاّتية. وعندما يبدأ القصف وتسقط البراميل المتفجرة في الجوار ويرتج بيتنا المتهالك، يعاتب الله: ألم أقل لك احفظ بيتنا العتيق؟ ألم أقل لك احم بناتي من الموت؟ ألم أقل لك ابعد الشر عن جيراننا؟… الخ». وتنتهي عقدة النص بأن يتحول الحمال من حي الشيخ مقصود إلى مقاتل يطلق الرصاص نحو السماء، ويحمل الذئاب إلى بناته الثلاث في غرفتهن بالمنزل. حسناً. يصح السؤال تجاه هذا النص عن نوعه، ما هو؟ ونحن لا نماري في أن النثر والسرد وسعا من رقعة الشعرية الحدثية وعدلا من مفهوم الإيقاع».. لكن لا شيء يمنعنا من اعتبار النص السابق قصة قصيرة بكامل عدتها: العنوان، تسميات الأماكن والأشخاص بأسمائها، السرد النثري أو الإخبار، العقدة والحل… الخ.

    وقد خضعت العبارة (اللغة) في النص المذكور لهذه العناصر، فلم تعد عبارة البرق اللغوي القاطع للشعر، بل عبارة السرد الإخباري المتقصي والمسترسل للقصة، واستبدلت بلاغة الشعر بإبلاغ الحكاية، واستبدلت مجانية قصيدة النثر بالتصويب الهادف للكتابة، وانتفى الغموض المسربل للقصيدة الحديثة ليحل محله انكشاف الهدف انكشافاً يكاد يكون في بعض المواقع إعلامياً «اختارتني الملاكة ونزلت معي على رصيف المترو وهي تتخفى بعباءة ونقاب أسود».. ثم نعرف نصياً أنه أخذها إلى الصالة الفوضوية في شقته المتطرفة وأنها تعرت أمامه هناك… إلخ.

    إذن: هذا ما حصل، والشعر يأتي تعليقاً على ما حصل، فالاسترسال الطويل للقصائد وإدخال العاطفة الشخصية على الوقائع جذبها نحو نزعة إنفعالية تكاد تكون خطابية «تكلمي يا ملاكة/ تكلمي باللغات كلها/ تكلمي بالمحبة/ تكلمي باللغة الخالصة/ تكلمي تكلمي…» كل ذلك يتدخل في سلب جزء كبير من شعرية النصوص فيأتي السرد على حساب الكثافة الصورية واللغوية للشعر. تنداح النصوص إذن إندياحاً سردياً قصصياً يلعب الشعر فيه دور زيت العاطفة المصبوب على نار الحدث.

    ربما كان للكاتب سابقة أسلوبية في «زئبقة الغور» و«النكبات» لأمين الريحاني، أو سابقة حديثة في «حجر الصبر» للأفغاني الفرونكوفوني عتيق رحيمي، لكن ثمة جديداً في نصوص «مراثي الملاكة من حلب» أسميه النزعة الانتهاكية في النص. ففي: مراثي دنيازاد «وهو نص في أعلى درجات الغليان. تتحول المرأة المسماة باسمها، إلى عاهر بفعل الحرب والدمار وموت الأهل والأصدقاء، وتستقبل كل ليلة أعضاء مجاهدين من القارات الخمس. الألم؟ ثمة خطاب للألم (الذي هو مطهر الذات البشرية) تسميه «دنيازاد» «ابن العاهرة».. بل ثمة ما يجعل الجنة نفسها الموعودة بمباهجها وملذاتها الحسية أمراً مكروهاً. الجنس يفوح من نصوص كريم عبد السلام. لكن ذلك ليس بجديد، فالجنس كما يقول نجيب محفوظ «يملأ التاريخ».. إن ما يجعل الجنس هنا خاصاً هو أنه جنس إنتهاكي فظيع، ليس جنس الرفاهية ولا جنس الطبيعة ولا جنس الفقراء أو الأغنياء. إنه جنس المنحرفين الذين ولدتهم الحرب. لقد أولج الشاعر الجنس في الحرب والحرب في الشريعة والشريعة في الجنس حتى أن أم الشهاب تجاهد بفرجها وتخطب في المجاهدات خطبة النكاح.

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-12-04 على الصفحة رقم 11 – السفير الثقافي

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *