الإثنين 15 أكتوبر, 2018

    السُّبحة..

    11
    views

    السُّبحة..

    حليمة بريهوم 

    (الجزائر)

    halimah-1

    عزمت على السفر من المدينة التي أسكنها إلى مسقط رأسي لإنهاء بعض المشاكل العالقة..

    المسافة بعيدة نسبياً، والطريق مستقيم، وممل، لأنه صحراوي، خالٍ من الشجر والحجر والبشر. فلم أمانع في حزم أمتعة خيالي إلى سفرٍ آخر، رحلة داخل سفري المادي، تقودني إلى الطرف الآخر من الحياة الغير واقعية.

    رحلت لأزور صديق عزيز خطر ببالي، كي أطمئن على أحواله وأعرف سبب غيابه، خيّل إليّللحظة أنه مريض.. مباشرة طرقت الباب ودخلت، لم أجده وحيداً، كان برفقة سيدة يبدو أنها مقربه، وكان مستلقٍ والهدوء يعم المكان، بيده سُبحة تشير أصابعه التي تتوسطها أنه توقف عن مداعبتها، حيث عيناه كانت مغمضتان كأنه يتأمل، استأذنت من السيدة وقلت لها متمتمة: جئت من بعيد لأزور أستاذي، هل تسمحين ؟ قالت إنه قادم من سفر ويحتاج إلى الراحة ، قلت لها: أعلم.. سأرحل بسرعة. تركتني وخرجت وعلامات التعجب في نظراتها .

    وضعت علبة الشكولا والثلاث زهرات على طاولة إلى جانبه.. اقتربت قليلاً وهمست له: السلام عليكم .

    فتح عينيه ورحب بأدب، وعدل جلسته وعادت أصابعه تلاحق حبات السبحة، وقال: تفضلي.. بمن لي شرف الزيارة.؟

    جلستُ وكأني أصبت ب12334145_981910601847804_722875801_oالبكم والصمم للحظة.. عدت وقلت: أنا التلميذة، وقد قدِمتْ لترد الجميل وتشكر أستاذها .

    أدار رأسه ناحيتي ونظر إليّ ببعض تعجب واستفهام، قلت: أرجوك.. لا تحدق بي..أنت تقول في نفسك كيف أكون أستاذاً لعجوز.. وأعتقد أنه لا يفوتك أن التلمذة، والأستذة، لا علاقة لهما بالعمر الزمني، فطالب المعرفة يؤمن فقط بالعمر الذهني ، أكملت وقلت له كيف حالك ؟ هل أنت مرتاح؟ إن شئت لا تتكلم ، زيارتي خفيفة سأرحل بعد قليل، إنما جئتك شاكرة وقوفك إلى جانبي، رفعتَ معنوياتي في الوقت المناسب، أنت تعرف أن العقل لا يتوقف عن الحركة، فهو في تفكير دائم، وكل الناس تفكر.. بعضهم يفكر مع نفسه، وآخر يفكر بصوتٍ عالٍ، وآخر إبداعه يترجم فكره.. فطرق التفكير تختلف من شخصٍ إلى آخر. أما أنا فأفكر بقلمٍ يسافر ويتحدى كل الإفتراضات، فيحيلها إلى واقع.. كنوع من الممارسات المجنونة التي أهواها مثلاً (إنه الجنون ليس إلاّ).. هل هذا مؤشرٍ كافٍ لتعرفني، وتتذكرني، أو أسهل لك الأمر أكثر وأجنّبك أي مجهود لتحتفظ بذاكرة خصبة.

    حسناً. .

    أنا مَنْ عَرفتني كلمة بين السطور في خاطرةٍ عابرةٍ كنزوة أولدتها الصدفة دون موعد مسبق، اخترقت كل الحواجز لتكشف مخبئها وتعلن وجودها، ففتحت لها باب الأمل لتحقق حلمها.. هل أكمل أم ثرثرتي تزعجك ؟

    إبتسم إبتسامة كشفت ما في وداعة نفسه من حب للآخر وكأنه يسيل من خاطره همس صامت بكلمات الشكر لله الذي أنعم عليه هذا الحب للعطاء دون منّة أو انتظار ثناء، وقال: عرفتك من أسلوبك.. مرحبا بك، أنت أختي وصديقتي، وما أجمل أن يصل بنا الجنون إلى أن نتحمل المشقات في سبيل أن نقدم كلمة شكر.. أهلا بك يا.. تلميذة.!!

    قلت : نعم، وليكن هذا جنون.. إلاّ أنه يبعث راحة في النفس وبهجة في الروح بين نفسين: شاكرة ومشكورة.

    في أبسط نوباتي الخارقة، وأنا أحاوره، وجدتني في محطة أخرى أخذتني إلى إعصار يتجمع ليتكوّن.. وفاجأني تسونامي عاطفي هيّج كل الحواس، أصحى كل ما بداخلي ليندفع ويرتمي في أحضان فوهة بركانية بوسعها احتواء هذا الزلزال من الخيال، وتوقفت الرحلات بدون أن أستمع إلى نوع أسفار الأستاذ .

    قد أقرأها في إحدى السفريات القادمة إن شاء الله.

    وصلت إلى المدينة وأنا سعيدة برحلتي التي لم تكن متعبة كثيراً، وسألت نفسي : كم يسافر المسافر في السفر ؟! تجارب ممتعة كأنك في أصغر دمية من الدمى الروسية، تدخل في الثانية والثالثة والرابعة وووووو حتى تدخل لتستقر في الدمية الأم التي تحويهم كلهم، تماماً مثل رحلات أسفاري.

    يكفي أن تنسلخ من الواقع وترحل بخيالك إلى كوكب السعادة بمكوك تصنعه بإغماض عينيك وتترك نفسك للأحلام، وتختار من بين المحطات ما شئت، وتحط بها، وتسعد بما يناسب تفكيرك ويعانق إحساسك ويثلج قلبك ويشبع رغباتك .

    بعدما أكملت مهمتي.. وأثناء رجوعي سافرت إلى مدينة الألحان، وبمجرد أن ططأ قدمك محطتها تستقبلك أوتار الترحيب، تشدك من يدك كأنها يد الحبيب، ويرتب لك جلسة ومتكئاً مع النصيب، فينشرح صدرك لدخول سيمفونية تأخذك بنغماتها، الرقيقة الدافئة، إلى عالم السكون، وتحملك سحابة كأجنحة النسور تحط بك على واحة خضراء واسعة الأطراف، أو مروج تسمع فيها من بعيد خرير مياه، وفي أطراف هذا المرج يقابلك بستان من مختلف أنواع وألوان الزهور، وتشم أغلى العطور، وتحوم حولك فراشات سبحان الخالق القيوم لتصنع بهجتك ولا يزعجك فيها إلاّ رَمْش العيون لأنه يخفي في لمحة جنات الدنيا الغَرور، وتبقى منبهراً فيما خلق مسيّر الشؤون.

    هكذا تنتهي رحلة وتبدأ رحلة جديدة ….

    أتمنى لكم سفراً ممتعأً في….. السفر.

    مقالات ذات صله

    1 تعليقات

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *