الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    أحزان بلا نوح

    أحزان بلا نوح

    محمد علي شمس الدين

    chms

     

    1. يا إله البحر

    أحس أنني

    حملت تسعة من القرون

    فوق كاهلي

    وأنني حملت ما لا تحمل الجبال

    لكن شيئاً ما

    لا بد أن يقال

    ولم أقله …. إخوتي

    أحس أنني

    من ألف عام غابر

    بدأت رحلتي ولم أزل

    على رقاب الموج

    راحلاً معلقا

    فيا إله البحر ضمني إليك

    واستجب لرغبتي

    لكي أرى ما يبصر الغريق

    عند جذوة المياه

    حقيقة الإله

    2. المجد للفقراء

    كأن النهر لا يجري إلى مجراه

    كأنا لم نزل

    في التيه تحت الشمس والرمضاء

    و «هاجر» لم تزل تمشي

    ويقتلها حنين الماء

    كأن لم ينفجر نبع

    على قدمين في الصحراء

    وأن توهّم الأشياء

    غير حقيقة الأشياء

    فخذ ما شئت

    من أيامك الخضراء والصفراء والبيضاء

    واترك لي دم الفقراء

    لأكتب مجد مملكة

    معلقة بلا عمد

    ولا أسماء

    3. غاب الذي غاب

    غاب الذي غاب لكن الردى قدرُ

    ما تأخذ الريح يأتينا به المطرُ

    موسى على الطّور لم يبرح يكلمه

    صوت الإله فلا خوفٌ ولا كدرُ

    بل غبطة حرة بيضاء يحملها

    من الجنوب إلينا الشمسُ والقمرُ

    وسبعة من دموع الصخر أنفسهم

    كالسبعة الطّير تحيا وهي تُحتضرُ

    ماتوا هناك على الأسلاك فانبعثوا

    خلف البحيرة أحياء كما أُمروا

    آياتهم أنهم من كفّ خالقهم

    صبّوا كؤوس حميّاهم وما سكروا

    ودونهم سبعة أرواحهم خزف

    مالوا قليلا على الصوّان فانكسروا

    دع عنك هذا فهم خوف وآنية

    سيان عندك إن غابوا وإن حضروا

    أروي على الناي ما أروي على حجر

    ولا أغادر حتى ينطق الحجرُ

    4. الصور

    «كمال» عانق الردى

    وأقلعت مراكب الرحيل نحو شاطئ الأبدْ

    كأنه الغروب في الشروق أو كأنما

    «كمال» مال نحو بحره فشقّه كما تُشقّ دفة الكتاب

    ونام بين صفحتين

    منتظراً علامة النشور

    فتحت دفترين لم أجد أحدْ

    وكانت السطور كلما سألتها تضاحكت

    وقهقهت شواهد القبور

    – كمال مر من هنا؟

    – نعم ولا

    رأيت ضاحكاً على بلاطة الشتاء يدّعي بأنه رآه وكان باكياً على بلاطة الخريف يدّعي سواه

    وبين رحلتين

    بين برزخين

    لا أزال شاخصاً

    كحارس المنارة

    لعل أعمى الريح والمدى يلوذ بي

    2

    أقول ما أقول يا أحبّتي

    وكلما بكت سحابة على التراب

    أتلعت رؤوسها القبور

    واستفاق بينها أخي

    أقول يا «كمال» هل رأيت أحمد الجميل

    هل رأيت عينه الزرقاء

    هل رأيت كفه التي تكاد من تلطّف

    تصيح بالذي يزورها

    تعال واقترب؟

    وخذ إذا أردت غصنها الرطيب

    خذ من الثمار ما تشاء

    ولندر على الضريح كأسنا المؤجله

    ولو وجدته

    بحق والديك سلّم الأمانه

    3

    نظل أصدقاء

    وأنت حينما تموت لا تخونني

    تصير فسحة الكلام بيننا أشد ألفة

    وهذه العيون تلتقي وتقترب

    4

    ما دام هكذا

    وفوقنا شواخص كالأعين البلهاء

    هذه النجوم والغيوم كالخراف مارست ثغاءها

    فكل شيء تحت قبة السماء

    لم يزل بيدنا معلقاً

    كجرس القطار

    5

    كما لو أنه مضى

    وعاد في إطار صورة على الجدار

    وكلما أتى المساء ينحني

    على السرير حيث ترقد الحياة

    *****************

    الصرخة

    1

    أصابك الدهر بمسه الجميل يا حسين

    فضحكة على المدى

    ودمعة في العين

    2

    وما الذي تريد أن تراه حينما

    تنام الشمس أو تفيقْ

    سوى تغير الصديقْ

    ووحشة الطريقْ

    وذلك الذي يطلبه الغريق حين يحتمي

    بقشة المياه خائفاً

    يحسبها الإله

    فلا يراه؟

    لا الموج عاصم

    ولا النسور ترحم الطريده

    وحينما تكون أنت واحداً في الليل

    أنت ساهران

    فخذ إليك غربتي

    ولا تقل أنا يتيم وحشتي

    فمن يكابد الشقاء لا يقوله

    3

    أمدّ كفّي كي تمسّ روحك المعذبه

    فيعتريني الخوف من شحوب صورتي

    كأنني أنظر في المرآة

    4

    للنظرة الخرساء ما للبرق من سيوف

    فكفّ عني نظرة العتاب مرة

    وخلّني لله

    5

    خبزت خبزاً لم يذقه الناس

    وكدت أن أموت من مرارتي

    أنا الغريب

    هل تمد لي يداً

    إذا أتى المساء والغيوم أجهشت

    من البكاء والطيور آوى كل طائر لإلفه؟

    ما أثقل المساء حين لا تضمّه يدان

     

    6

    في السهل طفلتان تلعبان

    والسهل واضح

    لكنني أنا الذي رأيت

    بين الصبح والمساء لا غزال

    7

    على عكازه ينتظر الميزان

    ولن أجيء كي أقيمه

    فليس لي سوى ترددي

    8

    وعن قليل تنتهي حروف هذه القصيدة

    ومن زوايا القاعة الخرساء يصعد العويل

    سألت كل نائح عن حزنه

    فلم يجب

    وكانت الصفوف تنحني

    وتحتمي من الهبوب كالسنابل الهزيله

    كأنما القطار حين مر

    شق صفنا نصفين

    وأسدل الستارة.

    9

    على جبل الشيخ ملقى

    هنا

    على جبل الشيخ ملقى

    وأكتب ما كان يلقى علي

    من الوحي والكلمات

    صب لي صاحبي كأسه

    ثم قال انتظرني

    قلت: ها إنني ماثل

    ألسنا معاً أصدقاء؟

    لم أكن موقناً

    أنه لم يخنّي

    حين أبصرت كأسي

    وقد طفحت بالدماء

    قلت يا صاحبي وأخي

    أيها الطين

    يا قاتلي

    كيف تبكي علي

    وقد خنتني مرتين؟

    كما لو طعنت الهوى والهواء….

    قال حين انطلقنا معاً

    وطرنا هنا في السديم القديم

    ولكنه كان يبعد عني

    وحين أميل

    يميل علي

    وحين أريق له خمرتي

    لا يراها

    هكذا

    كلما لاح لي قمر أصفر الوجه والساعدين

    على جبل الشيخ يدنو

    ليمسكني باليدين

    أرى ظله ينطوي

    خلف ستر قديم

    على جبل الشيخ ملقى

    وهابيل تبكي عليه دموع السماء

    نشر هذه القصيدة في جريدة السفير بتاريخ 2015-10-30 على الصفحة رقم 9 – السفير الثقافي

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *