الخميس 17 أغسطس, 2017

    حياتي

    حيـاتـي

    بقلم سهير الدّن

    hayatiالسعادة في الحياة هي عيش الرضا والقناعة، عيش النفس والروح مع الحب الصادق الوفي، والقدرة على الاستمتاع بلقمة عيش مع شخص يمكنك أن تبوح له بما يحتويه قلبك وروحك وفكرك..

    إن أصعب شيئ تواجهه امرأة في هذه الحياة هو حرمانها من كل هذه البديهيات التي تحلم أن تجدها في الحياة الزوجية. إلا أن كل ما همست به مع نفسي لم أجد له، ولو صورة، في هذه الدار التي انتقلت إليها بغير رغبتي. لم أشعر بالأمان الذي صوروه لي أهلي حين جاء لخطبتي مَنْ مِنَ المفترض أن يكون شريك حياتي وأتقاسم معه نعمة العيش بوئام وهناء.

    تراكمت سنين القهر وكظم الغيظ في فناء روحي عاطفياً وسلوكياً، فإلى من أشكي ما بي من خيبة أمل، إلى أمي التي تعرف أن سعادة الفتاة في أن يرغبها رجل يكون لها سنداً في الحياة تشاركه أفراحها وتشكي له همومها وأحزانها، تتخلص من كدرها بلمسة من راحتيه تٌذهب عنها الشعور بالقلق الذي قد يتحول مع الأيام إلى كآبة دائمة..

    في ربيع عمرها، في مرحلة البراءة والشقاوة الهانئة، في عمر الزهور التي تعطر مَنْ حولها من خلال تربيتها وروحها المعطاء، التي كانت.. نعم كانت، جاء من أذهب كل هذا وأبدله بحياة صامتة كئيبة لا روح فيها.

    خيالها كان أوسع من عمرها بكثير، كان حلمها أن تذهب إلى المدرسة كما اقرانها، إلا أن تقاليد وعادات أكل الدهر عليها وشرب، ما زالت تُمسك بالعقول وتقيّد السلوك. كانت تمنّن نفسها أنها مع شريك حياتها الذي أغروها بالاقتران به، سوف يتيح لها أن تذهب إلى المدرسة وتنال هذه الأمنية الجامحة في نفسها، ومما كانت تحدث نفسها به أن تنجب أولاداً تكون هي معلمهم الأول، فيشبُّون على يديها بهامات ثقافية تشير لها الأيدي إن مرت، وتصغي لها الأسماع إن تكلمت، وتتباعها العيون إن مرّت.. إلاّ أن شيئاً من هذا لم يحصل، ولم توفق حتى بالذهاب إلى المدرسة.

    كانت ترتعد فرائصها حين تتذكر أنها محرومة من العلم اللهم إلا من المبادىء الأولى، فهي تعلمت للمرحلة الاعدادية فحسب، فعقدت العزم بعد زواجها أن تقوم هي بتعليم نفسها، فكانت تشتري الكتب المدرسية وتواريها في البيت إلى حين تنفرد بنفسها فتبادر إلى تدريس نفسها بما قدرت عليه، وما يصعب عليها تتواصل مع التلاميذ من جيرانها لمعرفته، حتى وصلت إلى مرحلة ترضى بها عن نفسها تكفيها لتكون سنداً لأولادها.

    دخلت في القفص الذهبي كما يسمونه في الأفلام.. نعم في الأفلام فقط، دخلت بيت الزوجية لتحقيق هذا الحلم وإذا به يتبخر في أثير الوعود الكاذبة. وجدت نفسها بين وجوه قاتمة وألسن صامتة إلا من عبارات زائفة كاذبة، وعيون أكثر عمىً من بصيرة جاهلة لا تعرف سوى جمع المال والاتجار به، ليس بهدف تأمين عيش رغيد لعائلة بدأ بناءَها للتوّ مع أول حمل.

     بعد صمت أسال دمعات على زهر وجنتيها أردفت:

    بدأت أشعر من أول شهر بالفرق الشاسع بهذا الانتقال من بيئة الى بيئة مختلفة تماماً والذي يعذبني أن وعوده لم تكن همساً بينياً إنما كانت أمام شهود ورجال، تعهد بأنه سيجعل منها ملكة على أقرانه وعائلته بعد رفضي الشديد. وتم أمر الله ولكن لن يكون موضع وأهل لهذه الثقة التي عاهد الله أمامهم بها، فقد طغى عليه حب المال والجشع. وما أن ألفته إلى عدم صوابية هذا، ولاومته، حتى توجهت العيون والأفواه من عائلته نحوي، فالعائلة كلها من هذا القبيل. بدات حينها استشعر كلام الله (وإذا الموؤدة سُئلت بأي ذنب قتلت). وكل يوم كنت أكتشف جديداً في هذه الشخصية التي ارتبطت بها. لم يكن يملك شخصيته أمام توجيهات أهله، أماً وأباً.. حتى أخوته كانوا يتدخلون في حياتي. قلت في نفسي استهزىء بها، لقد أفلحتِ ووقعتِ في تلك الدوامة. ولسوء حظي حملت من أول شهر. وبدأت المعركة……

    سافر وانا في شهري الثالث، وطبعاً أهله من سيتولى أمري طبعاً، بلغتهم التي لا يستطيع عاقل أن يفهمها، ـ وإلى ألان أرفض أساليبهم ومنطقهم ـ أولدت إبني الأول وهو مسافر، وعاد والمولود بعمر الشهرين. وبعدها بسنتين حملت في الولد الثاني، وكانت المصيبة أعظم. فقد قرروا جميعاً أن ولادتي يجب أن تتم بالبيت على يد (الداية)، رضخت للأمر الواقع مرغمة فالولادة لا تنتظر.. ووقع الحظور، تبين بعد فترة أن المولود عانى من نقص بالأوكسجين. وبدأت معاناتي الأكبر. وبدأت الحياة ترخص في نظري، لم يعد من شيء يغريني كل شيء بدى تافهاً بلا قيمة، حتى أهلي صرت امقتهم، أكره كل الناس.. وقررت الرحيل..

    تنهيدة كأنها تخرج من كهف عميق تدرجت مع أنفاسها:

    صرخت بوجه الجميع: لم أعد أرغب الحياة معه.. ارفض تلك الحياة معه ولو كانت جنة لامثيل لها، فقد امتلأ قلبي كراهية.. تركت المنزل بعد مشادات كلامية بيني وبينه وأنا أنظر إليه وأقول في نفسي والله إنك لعاهة ما بعدها عاهة.

    ذهبت لبيت أهلي أنا والولدين، أحسست حينها كأني في جنة عرضها السموات والأرض. بقيت سبعة أشهر.. بدأت مرسيله تسعى لعودتي، فلم تفلح، حضر شخصياً إللاى بيت أهلي وأغدق وعوده المعسولة التي أفهمها جيداً بأنها ليست أكثر من أكاذيب لن يتحقق منها شيء.. راجياً أبي وكل من حولي، بدعواه أنه تغيّر وأنني سأكون بمنتهى السعادة أنا والولدين، حتى رضخ ابي للأمر الواقع بخاصة لأجل الولدين لأن الثاني بحاجة لرعاية خاصة في مركز خاص نظراً لحالته. قال لي أبي يابنتي أنت عندي بالدنيا كلها ولكن الولدين بحاجة إلى أب اصبري عسى أن تكون المدة التي هجرتيه بها، درساً له وأصلح الله أخلاقه.

    ذهبت معه، وفي أول يوم عدت فيه قلت في نفسي ليتني لم أعد. صبرت وحسبي الله. بعد ذلك حملت في البنت الأولى وبعدها الثانية والثالثة، ولا أحد يعلم بعذابي الا الله ، في تربيتهم وتوجيههم ودراستهم إلى أن تزوجوا، مع أب لا يعرف معنى الحياة إلاّ بالقسوة المرفقة بالجهل. ولكن لم تنته معركتي إلاّ بالأسوأ. فقد بدأ يلفت أنظار ابنه البكر إلى المال كي ينحاز عني، فيقول له أنت بعدي وأريدك ان تمثلني في كل خطوة أخطوها. ألقى المال بين يديه وعلمه معنى الطمع. لا حرام ولإ حلال، لا رأفة ولا حنان. بقينا أنا وهذا الولد المعاق بين أيديهم. لا أعلم ماذا يدبرون ويخططون. ولكن الله يعلم ولايخفى عليه شيء، ويعلم ما كنت أقوم به من توجيه لابني ووحيدي بكل خطوة يخطوها، وأنا أقول له ضع الله نصب عينيك ولا تخف. لكن كل هذا مسحه المال من عقله وفكره. ويمكرون ولكن الله خير الماكرين. مكر هو وأبوه لي ولاخواته وأخيه، فأصبح إنساناً ثانياً كلياً، فكدت بساعة من الساعات أحدث نفسي أهو ابني الذي تعبت عليه ما لم تتعب أم في الدنيا، فقد ضحيت بنفسي وعلمي وروحي أمامه ليكون لي الرجاء في الحياة التي أملتها لكن هيهات حين يسيطر المال على العقول، فإنه يعني البصيرة وليس البصر وحسب، وقليلون هم من يعلمون أن ما عند الله من علم في خلقه، فقد نال جزاؤه هو وأبيه بصفعة أذهبت كل أحلامهم التي عمادها الما وتراكمه في حساباتهم المصرفية، في حين أنا وبناتي وابنائي ليس لنا منها إلا قوت يومنا..  وأقول أخيراً وبحرقة، تخيروا لنطفكم فان العرق دساس. صدقت يارسول الله والنية سابقة العمل ……..!

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *