الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    محمود شبّر.. فن الانتقام

    محمود شبّر.. فن الانتقام من حرب الانتقام

    اسكندر حبش

     

    77e6c0fe-d721-4fb5-ac75-bbb23fece099يستعيد الفنان العراقي محمود شبّر في معرضه «forward» ـ الذي يفتتحه، السادسة من مساء اليوم في صالة «أرت سبيس» ـ تلك اللحظات التي أتت بعد دخول الجيش الأميركي إلى العراق في العام 2003، عبر العمل على إشارات السير و»أرمات» الطرق التي كانت تشير إلى حياة مدنية ما، «قبل أن يأتي الاحتلال ويلغيها»، وكأنه بذلك ألغى كل ما كان يمتّ إلى الحياة بصلة.

    ليست هي المرة الأولى التي يعمل فيها محمود شبّر على مفردات الحرب التي خَبِرها جيدا، وعاش فيها لسنين طويلة. مثله مثل الكثير من العراقيين، وبعد أن أنهى الدراسة في كليّة الفنون الجميلة في جامعة بابل، أستدعي للخدمة الالزامية. كانت فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية. خدمة استمرت لست سنوات، بدا الرسم فها أشبه بمهمة مستحيلة في تلك «الجبال الوعرة» التي كانت متمركزة فيها وحدته العسكرية. كان الهمّ الأول أن يبقى المرء على قيد الحياة للنهار التالي، لذلك لم تكن الأحلام الفنية سوى أحلام مؤجّلة، وهو الذي عاش الهاجس الفني منذ صغره، إذ تفتحت عيناه على والده الذي كان فنانا بدوره، الذي تابع في إيطاليا تخصصه في النحت على المرمر، كما على عمه الذي يجد أنه المساهم الفعلي في تكوين وعيه الثقافي والفني.

    كان يهجس بأن يستمر في تلك المسيرة وبخاصة أن أساتذته في «بابل» شجعوه على الاستمرار، وبخاصة حين حضر الفنان الكبير شاكر حسن آل سعيد مشروع تخرجه، ليكتب له بعض الكلمات التي لا تزال حاضرة في نفس شبّر لغاية اليوم. بيد أن ذلك كلّه تأجل إلى ما بعد «البقاء على قيد الحياة». ربما هو الفن الذي يجعلنا نحلم في كثير من الأحيان، بأشياء متعددة، منها محاولة أن نستعيد الحلم لاحقا. وهذا ما كان، إذ بعد الحرب عاد إلى الجامعة ليحصل على شهادة الدكتوراه في «فلسفة الجماليات».

    الاستمرار في الحياة

    معرضه الفردي الثالث في العراق الذي حمل عنوان «رجل من مواليد العام 1965»، والذي يعتبره نقطة الانطلاق الحقيقية في مسيرته، تناول فيه تفاصيل الحرب إذ يعتبر أن الجيل الذي ولد في تلك السنة، كان الجيل الذي شكّل وقود الحرب الفعلي، من هنا مال في هذه التجربة إلى «محاكاة كل هذا الاحتدام الذي كنّا نعيشه في تلك الفترة. حاولت أن أقتنص كل تلك المفردات التي شكلت الهمّ اليومي داخل الوحدة العسكرية».

    ربما جاء معرضه هذا ليكسر مع سلسلة سياقات عرفها الفن العراقي، إذ يرى الفنان «أن الفن هو الذاكرة الجمالية لتوثيق كل همومنا وكل معاناتنا وأوجاعنا»، لهذا حاول في ذاك المعرض أن يرسم «كل ما كان في ذاتي وداخلي عن تلك الفترة المؤلمة والموجعة للمجتمع العراق خلال الحرب».

    معرضه اليوم هو الفردي الثالث له في بيروت (الفردي الخامس في مسيرته) التي يسكن فيها منذ فترة. مدينة أتاحت له التفكير بأن «الفن ليس فقط هو أن ترسم لوحتك وتتركها، بل كيف تقدمها وكيف تسوقها كي تستمر في الحياة». يرى أن الغاليريات الكثيرة الموجودة اليوم في لبنان تتيح للفنان أن يعيد النظر في الكثير من التجارب. لا يعتبر ذلك منافسة، بل هي تخلق حالة من إعادة التفكير عبر رؤية تجارب متنوعة.

    قد تكون هذه المشاهدات هي التي دفعته إلى تجربته الجديدة، التي يقدمها حاليا، إذ عمل بداية على مفهوم «المواد مختلفة» وبخاصة على إشارات المرور الحقيقية التي كانت موجودة في شوارع بغداد والتي أتى بها إلى بيروت. هي قطع تعرضت بدورها «إلى التعزيب والدمار وكل الفعل السلبي الذي أتى به الأميركيون. الكل يعرف أنهم دخلوا تحت ذريعة الدكتاتور وتحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل وكل هذه التفاصيل التي أعطتهم الضوء الأخضر العالمي لدخول العراق وليستبيحوا البلد». يضيف شبّر: «بعد دخولهم إلى العراق أعلنوا بأنفسهم أنهم دولة محتلة وبالتالي كان عليك أن ترى كيف كان المحتل يتعامل مع التفاصيل الموجودة في البلد. أخذت بغداد كنموذج إذ أنها تشكل قلب العراق، والحاضرة الانسانية في الذاكرة الجمعية العربية. ركزت في عملي على أرمات المرور التي ترمز بالنتيجة إلى النظام والمدنية داخل البلد. فانت مثلا ترى هذه الأرمات مرتّبة وجميلة فهي تعكس لك حجم الترتيب في البلد، ولكن حين تراها محطمة ومحروقة فهي ترمز إلى الحالة الكارثية التي وصل إليها بلد ما من دمار وأسى».

    أيقونات ورموز

    استل شبّر هذه المفردة أيضا بصفتها محملة بأيقونات ورموز، «إذ لو أخذنا الجانب السيميائي منها، ففيها الكثير من المضامين، فعندما ترى طفلين داخل مثلث فيها، فهذا يرمز إلى مدرسة. وهكذا دواليك. كان اشتغالي عليها لأظهر كم هي معذبة عبر اطلاق النار عليها أو كم هي تحمل من تقادم الحرب والحرائق وتكاثرها عليها، وما تعرضت له. لقد تمظهر هذا الخراب في جسد المدينة مثلما تمظهر بشكل حقيقي على هذه القطع المرورية».

    معرض، في أحد معانيه المتعددة، ينحو إلى توثيق ما جرى في العام 2003. «كان الهدف إزالة الدكتاتور وخلق حياة أخرى للبلد، لكن ما حصل أنه مع إزالة الدكتاتور أزالوا كل أشكال المدنية وكل الأشكال الحضارية وأعادونا ـ كما وعدونا ـ إلى القرون الوسطى. من هنا بدت المعادلة وكأنها عملية انتقام من الشعب العراقي».

    هل بهذا المعنى يبدو المعرض اليوم وكأنه انتقام من الحرب؟ ربما وربما لا. إلا أن أعمال محمود شبّر الجديدة، لا بدّ أن تذكرنا بأنه كان هناك ذات يوم عراق آخر. وأن عراق اليوم لم ينجح بعد في أن يشكل ولو صدى صغير له.

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-10-26 على الصفحة رقم 14

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *