الثلاثاء 18 ديسمبر, 2018

    نهضة الإمام الحسين (ع)

    10
    views

    نهضة الإمام الحسين (ع) بين الوقائع والمغالات

    علي .أ. دهيني

     

    ali.كثيرة هي المعاني التي تحيط بنا من خلال المظاهر والسلوك المرتبط  بالمناسبة ـ ايّ مناسبة ـ دينية كانت أو دنيوية. وتشكل هذه المظاهر في عقولنا وإرهاصاتنا النفسية، حالة وجدانية إذا كانت دينية، وحياتية إذا كانت دنيوية، تأخذنا باتجاهها عفوياً أو قصداً.

    وجدانياً، لأن العاطفة الدينية ترتبط بلا وعينا الذي يتاثر بكل ما يتعلق بالعقيدة التي نعتقد، وهو تنامٍ تراكمَ من خلال الأدبيات التي عايشها المعتقد وعاشها في بيئته ومجتمعه العقائدي.

    حياتياً، لأن متطلبات الحياة الاجتماعية وارتباط أبناء المجتمع بالمصالح المشتركة التي توفر للفرد منهم مطالبه الحياتية، فهو يميل بالغريزة أو الاقتناع، إلى الجهة التي يرى أنها تؤمِّن له حاجاته ومتطلبات عيشه، أكان ذلك نظاماً أو حزباً.. أو حتى فرداً.

    وعليه، ومما تقدم، يلعب إعلام كل جهة دوره الفاعل في تشكيل الرأي العام الخاص به، ويسعى إلى أن يكون تاثيره فاعلا من خلال تقديم ما لديه لعقل المؤيِّد ورفده بالحقائق التي تزيد وترسخ قناعات هذا العقل بما يمكنه من تطوير نفسه، وهذا يكون من خلال المادة المقدمة له، أهي تستند إلى حقائق موضوعية منطقية ثابتة بدلالاتها ولا لبس فيها، أو يكون العكس، أي رفد العقل بمادة تمنعه من تجاوزها، وبالتالي قبول ما يُملى عليه واستقباله دون أن يعمل به أو يحلله، مُسلِّماً به ولو كان خالٍ من الموضوعية والمنطق، مستغلاً بذلك العاطفة الدينية المُمسكة بالإرهاصات النفسية.

    باختصار، اليوم تعيش الساحة الإسلامية، وبخاصة الشيعية، ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وهي ذكرى عاشوراء، (يلاحظ في كتب التاريخ حتى ما قبل الإسلام أن عاشوراء ذكرت كثيراً)، وهذه الذكرى على أهمية دورها في إعادة بناء العقيدة الإسلامية، حيث أنها كانت نهضة تقويمية بعدما تعرضت الرسالة الإسلامية إلى انتهاكات جمّة على يد الحاكم في حينه، حتى كاد هذا الانحراف واللعب بروافد الرسالة، يطال جوهر العقيدة، فكان لا بُدّ من نهضة تُعيد لهذه الرسالة جوهرها، وهذه هي القيمة الأهم في هذه المناسبة، وأهميتها المادية جاءت باستشهاد الإمام الحسين عليه السلام في هذا السبيل، إذ لولا هذه النهضة، وهذا الاستشهاد، لكانت الرسالة في علم الله. ولأن من قيمة هذه النهضة أن المدارس الإسلامية بعدها أخذت طريقها إلى المجتمعات، والحركات والنهضات الدينية التي كانت واقعة عاشوراء سبباً لها، لعبت دوراً هاماً في بناء المدارس الإسلامية عموماً، ولأن ما كان من أسباب نهضة الحسين عليه السلام، أن كثيرين من حملة العقيدة كانوا في طريقهم للاندثار بسبب ظلم واستهداف الحاكم الذي وٌلّيَ عليهم. (خير من استعرض أوضاع تلك الفترة والوضع الذي كان قائماً فيها هو المرحوم الشيخ عبدالله العلايلي في كتابه المسمى الإمام الحسين، أو سمو المعنى في سمو الذات).

    اليوم، وبعد ما يقارب 1375 سنة، صرنا نرى من يتصدر المنابر لإحياء هذه الذكرى، فيُضيف ويغالي في مجريات أحداث الواقعة ويسرد حكايات (وروايات) ما أنزل الله بها من سلطان، حول الحسين عليه السلام وأهل بيته وآبائه، لم تكن حاضرة في السنوات أو العقود السابقة. وكأن الأمور باتت خاضعة للظروف ومقتضيات الوقت الراهن.

    في فهمنا وعقيدتنا وقناعاتنا، أن الحسين عليه السلام، وجده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأبوه وأمه وإخوته وأخواته وأبناؤه.. بخاصة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام التي يعرف مقامها ومكانتها كل مسلم، حيث يروى عنها وصيتها لابنتها السيدة زينب عليها السلام بأن تُقبِّل نحر الحسين عند استشهاده، وهذا يعني أنها كانت تعرف الطريقة التي سترتفع فيها روح الإمام إلى ربها، فلو أرادت أن تقول أكثر مما قالت لفعلت، فإذا بنا اليوم نسمع مرويات عنها ما أنزل الله بها من سلطان من خلال استحضارها من مقامها حيث هي، لنروي على لسانها (!!!). كذلك بالنسبة للسيدة زينب عليها السلام، فلا نُذهِب قيمة ما قالته من خطاب، فنظيف إلى قولها وكأننا قرأنا في ذاكرة عقلها، أو أنها نسيت أن تقول ما يجب علينا أن نقوّلها ما لو شاءت لقالته (!!!). لقد كانت السيدة زينب عليها السلام، المنبر الإعلامي الموضوعي والمنطقي الذي أصغى المستمعين إلى مضمونه، فعرفوا الذي حصل. وهذا شكل نقلة نوعية في الخطاب الإسلامي أسس للمستقبل وإلى اليوم.

    إن الصورة البشعة والإجرامية التي تعامل بها جيش يزيد بن معاوية وقادة حربه وولاته، يكفي ذكر أحداثها لأن تجعل من هذه الذكرى فيصلاً بين الحق والباطل، وتنقل إلى العقول قيمة ومعاني استشهاد الإنسان في سبيل عقيدته أو قضيته.

    والأهم من ذلك كله أن تكون عاشوراء مدرسة الإسلام وليس مدرسة لجماعة دون أخرى، أو شواهدها وحيثياتها، من حيث السرد والاستحضار، فقط لمجموعة من الأسماء دون سواها، فنلبسها ما نشاء من الأثواب العقائدية ما يحلو لنا على قاعدة (وكأني به/بها يقول).

    كذلك من المهم جداً ، رغم ما في هذه الواقعة من المآسي والأحزان، من المهم أن لا نحشوها فقط بالصور العاطفية دون التركيز على جوهر القضية وأسبابها الاجتماعية والعقائدية.. وأهمها تدارك ضياع الإسلام.. كل الإسلام، لأن الإمام الحسين قام لأجل الإسلام وليس لأجل زعامة أو فئة.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *