الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    بائعة الأعشاب

    بائعة الأعشاب

    ali.“بائعة الأعشاب” مجموعة قصص للكاتبة حنان رحيمي، إصدار جديد حشدت فيه زخماً إنسانياً نقلت من خلاله الكثير من صور الواقع، ترسيخاً لمبدأية أن على الإنسان أن يرى عيوبه في تعامله مع الآخر ليعتبر، وينظر إلى ما حوله فيقرا في مأساة الآخرين درساً في السلوك فيجتنبه.. وكانت لي هذه المقدمة للمجموعة:

    حنان رحيمي وقصصها

    صورة إنسانية

                                                                علي .أ. دهيني

     

    hanan2-1كانت مجموعة “المعذبون في الأرض” للأديب العربي الكبير طه حسين، علامة فارقة في نقل الحياة الاجتماعية المغيَّبة، من بيوت الطين ودساكر العذاب، إلى عباب المجتمع، في قالب قصصي متكامل العناصر، مما جعلها وسيلة خطاب للمشاعر الإنسانية قبل أن تكون رسماً لواقع مهمل، مغيّب، مظلوم، مأكول القدرات على مستوى الطبقات الاجتماعية.

    كما وجدتني أستحضر مجموعة قصص “العَبَرات” لمصطفى لطفي المنفلوطي التي ترجمها من الفرنسية، بأُسلوبه الخاص، بل عرَّبها، لتأخذ نكهتها العربية.

    روادتني هذه الصورة حين تجمعت لديّ هذه المجموعة من القصص القصيرة للكاتبة حنان رحيمي، والتي رسمت فيها وجهاً لواحد من وجــــــوه العذاب التي تكاد ـ

    لكثرتها ـ تغيب عن البال والانتباه..

    لا ريب أن في القصة القصيرة معاناة لدى الكاتب لا يدركها إلا صاحب هذا الفن من الأجناس الأدبية، لما يحتاجه من إمكانات لغوية وتحليل شخصية وقدرة على الإحاطة الشاملة بأقل قدر من الكلمات. من هنا كادت، القصة القصيرة، أن تنافس الرواية في موضوعها، لولا أن القصة القصيرة محكومة في الزمان والمكان والشخص وصغر المساحة.

    hanan-1وفي القصة القصيرة، لا بُدّ من الاحتكام إلى لغة معينة غير اللغة التي تُسرد بها القصة الطويلة / الرواية، فهي تتجلّى إبداعاً إذا تمكن الكاتب من استعمال لغة النثر أو التجريد أو الترميز، في حال من أحوال الكتابة. كما يصفها “جورج بيركنز”، فيقول إن القصة القصيرة هي نوع من النثر الفني القصصي أو الحكائي، وهذا ما لم تفعله حنان، بل ذهبت مذهب “غوغول” الكاتب الروسي، لتعتمد لغة الواقع المباشرة، في توصيف الأحداث والسرد الحكائي، لأن همّها تقديم موضوعها المجسّد في شخصيات قصصها. كما أنها اعتمدت تعريف إمبرت أندرسون للقصة القصيرة بأنها حكاية، “يمكن أن تقرأ في جلسة واحدة”.

    وكذلك وجد الفرنسي “موباسان” أن القصة القصيرة تجيء منفصلة، وتعبيراً عن لحظة محددة. وهذا ما نلمسه في غالبية قصص حنان، إذ إنها إن أدركتها اللحظة المؤاتية هرعت إلى أوراقها تنقلها كما هي، طلباً لأثرها في نفسها وما تدركه من معاناة تتراكم عبر اللحظات، لتشكل سيرة مجموعة كبيرة من “المعذبين في الأرض”، لأن غايتها التعبير عن واقع أليم، فهي كما “انطوان تشيكوف”، تغرف من واقع الحياة. ولذا لا بُدّ من استعمال لغته.

    أيضاً، لا يفوت بعيد النظر، أن القصة القصيرة وجدت في الأدب العربي منذ زمن بعيد، بخلاف ما يقال أنها مستوردة من الغرب، صحيح أن الغرب سبقنا في توصيف وتصنيف القصة القصيرة كجنس من الأجناس الأدبية ، إلاّ أن الأقدمين السابقين من العرب، في لغة الأدب، كتبوها وكانت منتشرة في حلقات تسامرهم كحكاية تروى وتنتهي في سهرة يختمها الحاكي أو المؤلف. وخير دليل ما حملته المرويات عن أبي القاسم الحريري البصري ومقاماته، وعن أحمد بن حسين المعروف بالهمذاني ومقاماته بديع الزمان، عدا عن حكايات ألف ليلة وليلة. وكثير غيرها من حكايات الجاحظ وغيره.

    وبالعودة إلى ما بين أيدينا، في هذه المجموعة القصصية، شعرتُ أن الكاتبة حنان رحيمي، رغم كلاسيكية موضوعاتها وأسلوبها في السرد، ـ وهي التجربة الأولى لها في هذا المجال ـ  تمكنت من ربط موضوع قصتها بين الشخصية بذاتها، التي من المفترض أنها عماد القصة، وبين البيئة التي عاشت فيها هذه الشخصية، بحيث أنها لم تحمِّل شخصيتها ما فُرض عليها نتيجة ولادتها في بيئة معينة أو جاءت بها الظروف لتتواجد في بيئة معينة، كما في قصة “سامحيني.. يجب أن أكذب عليك!” (ص103). أو في قصة “بائعة الأعشاب” (ص 42)، أو غير هاتين القصتين، بل في أغلب القصص، تتشارك الشخصية مع البيئة، بل ومع الزمان والمكان، لأن الكاتبة لا يبدو أنها تملك الخيار بقدر ما هي محكومة في اختيار موضوعاتها، بحسب توجهها في الكتابة، ونتيجة لما يبدو أنها حبيسة الموضوع العام الذي طبع قصصها، وهو مأساة الإنسان، وهذا يعود في حقيقته، إلى أن الكاتبة تعاني في حياتها قبساً لا بأس به من معاناة أشخاص قصصها نتيجة قربها من الأمكنة التي تدور فيها أحداث هذه القصص.

    وأكثر ما يستشف من هذه القصص أن حنان رحيمي عاشت مرحلة نضوجها الفكري إبان الحرب اللبنانية، وعاينت ما جرى فيها من أحداث على أرض الواقع، كما في قصة “رماد”(ص 60) إلاّ أنها لم ترسلها في مجموعتها هذه، إنما نقلت بعض البؤس الذي خلفته تلك الحرب من أوضاع اجتماعية صعبة، في روايتها “حياة.. في منتصف الموت”.

    ولعل القارىء سوف يتلمّس بعضاً من معاناته خلال قراءته لهذه المجموعة، بل ولعله يراها في كثير من الوقائع من حوله، لأنها ليست خطاباً لمجتمع وبيئة واحدة، إنما هي من صميم الحياة الإنسانية في أي مجتمع.

    بيروت 15/9/2015

    المجموعة صدرت عن “الدار العربية للعلوم ـ ناشرون” في 160 صفحة من القطع الوسط

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *