الخميس 17 أغسطس, 2017

    عبدالله الشايب: الحب ضمير وجدان.!

    عبدالله الشايب: الحب ضمير وجدان لا ثمرة اشتهاء.!

    علي .أ. دهيني

    ali dheani11707471_103199013364703_2175143339871806324_n (1)في ثلاثية كانت صدرت للمهندس الأستاذ عبدالله الشايب، (هلام ذاكرة ، وهتاف ذاكرة ، وهيام ذاكرة)، يرسم فيها خواطره في سطور وجدانية حائرة بين هتافات الذات الصامتة حيناً والضاجة حينا آخر، بين التابو والمباح في بيئة الكاتب، حيث حديث النفس عنده، يواري خلفه تابوات اجتماعية صاغها في لغة الحب المباح، فكانت لي هذه المقدمة:

    من طبيعة الوجدان الإنساني أن يبحث عن آخَرَ  يلتقي به ويتحاور معه من خارج القيود المحكمة التي تضبط الإيقاع، في العلاقات البينية، بصورة عامة، وغالباً ما تتوجه الإرهاصات النفسية نحو هذا الآخر المُختلِف جنساً وماهيّة، ما يعتبره الوجدان ـ وهو الخاطر الجامع للمشاعر العاطفية والأحاسيس الإنسانية ـ واحة يستريح فيها وينفث مخزونه العاطفي بين فيحائها.

    bab2-1من أدوات التلاقي الجديدة، تلك التي تنقل ترجمات الوجدان الباحث عن الآخر، من عالم محدود القدرة، ضمن بيئة جغرافية محددة، إلى عالم منفتح بحدوده على كل الجهات وعلى كل الألوان والأنواع البشرية، في الطبقات الاجتماعية، هي أدوات التواصل الاجتماعي الحديثة بمختلف تسمياتها.

    ولأن الكلمة هي المعبَر إلى الآخر الوجداني، لجأ الإنسان إلى لغته الفنية ـ وغالباً الرومانسية ـ  وفككها، دون حساب لمخاطر هذا التفكُّك على أدبياته ومدارك ضميره الثقافي الحافظ الأول لشخصيته الثقافية والحضارية. والمقصود هنا هو اللغة الأدبية في مختلف فنون الأدب وأجناسه المعروفة التسميات. ولا مجال هنا للتوسع في الحديث عن خطورة هذا التفكيك لأدبيات لغتنا.

    وقد شكلت أدوات التواصل، هذه، صفحة يجود بها الخاطر همساً بالحرف، بخلاف ما يمكنه ذلك من البوح بصوت عالٍ.

    bab1-1في الصفحات التالية مقتطفات مما سبق تبييضه على صفحات التواصل الاجتماعي، تَبيَّن للكاتب أنها تصلح أن تُثبَّت في كتاب يتناوله المتلقي ساعة يشاء، إلاّ أن الواقع يشي بغير ما يضمره القول الهامس، حين يصبح في العلن، ففي صفحات التواصل المسؤولية شبه محدودة، ولا تحمّل القائل مسؤولية ما قد يتسبب به من مضار على نوع من أنواع الأدب ـ وهو غالباً ـ الشعر والنثر، فيجيىء العمل من خارج الأجناس الموسومة لكل فن من فنون الأدب، فيما المسؤولية كبيرة جداً حين توثق في كتاب، لأنها تصبح مستنداً يُرجع إليه.

    الأستاذ عبدالله الشايب في كتابه هذا، (هلام ذاكرة) وأخويه (هيام ذاكرة) و (هتاف ذاكرة)، إنما رغب أن يقدم مرحلة من مراحل تجربته الأدبية “المقاربة” لذائقته الشعرية والنثرية، ليبين لنا ـ ولو من طرف خفي ـ إمكانية الولوج إلى عالم التعبير الوجداني بلغة “حرة” يتقاسم فيها البوح الشفاف كَتوريةٍ في قصد القول، وهو بهذا يقصد استفزاز ذاكرة المتلقي، فيلجأ إلى إسقاطاتٍ ضميرها مغاير تماماً لتعبيرها المقروء بالعين والمٌشَكّل من الحرف، أي إنه يلجأ، غالباً، إلى تحفيز عقل المتلقي ليتبين الغرض من القول، وفي هذا إشارات، ودلالات واضحة، تقول إن الدائرة الثقافية أو البيئة الاجتماعية، لا تسمح بالقول والتعبير العلنيين، عن خلجات النفس وترجمة قراءاتها لما يدور حولها في مختلف القطاعات الاجتماعية، فكانت لغة الحب وجسد المرأة هما السبيل الأوفر حظاً في التعبير عن هذا المكنون.

    إن ترجمة ما في الخاطر نظماً شعرياً أم نثراً وجدانياً، تبقى هي الصورة التي تتراءى أمام عين القلب مُقدَّمةٍ في صيغة مّا.

    وما بين دفتي هذا الكتاب، يقدم ما يفيض به وجدانه، ليعبّر به عن خلجات أرهصت بها نفسه في لحظاتِ تجلٍٍ لا تخلو من البوح الشفّاف حدّ الانكشاف، وإلى العمق الذي يحجب الصورة ليبقى الصدى، فيواري به خِشيةً يخشاها، أو رغبة أخفاها في ظل حرفٍ يخاطب به حبيبته وقد أشغف بها حباً.

    إن مجاله العلمي، مهنياً، كمهندس، لا علاقة له بما سيتدرج به القارىء هنا، لأن “المهندس” لم يمسكbab3-1ه الحجر أو يأخذه الشكل الهندسي بعيداً عن تجليات الروح في ما ترغب، أو الخاطر في ما يستشعر، فكان حرفه كأنما هو ثغاءُ طفلٍ يبحث عن نهدٍ يغذيه، أو حضن يأويه، فجاء خطابه عبر الكلمات، يعبّر عن هذه المراهقة الدائمة التي لا تتوقف عند نهاية العمارة أو خلف سور البيت، وكأنما رغبته هذه دائمةُ البحثِ عن ثغاءٍ جديدٍ وحضنٍ جديد. والمقصود هنا هو الواقع الاجتماعي بوجه عام، و”الاستسلام” لما يقوم عليه بناء هذا المجتمع، والتعبير عن هذا الاستسلام هو المعبَّر عنه بالانشغال الدائم بالحبيبة التي هي الحرية والاشتياق إليها.

    ولم يفته، بين فينة وأخرى، أن تتجلى روحه الاعتقادية الدينية، من الوميض في بعض ما كتب.

    من هنا نرى أن موضوعه الدائم في كتاباته: الحب.. لأن الحب بالنسبة إليه، هو المفتاح الذي يمكنه من خلاله الولوج إلى نفوس الآخرين.

    هذا ما يستشعره القارىء للوهلة الأولى لما يصادفه من العبارة المرسومة، أو الصورة المكتوبة، لكن في حقيقة وجدان الكاتب هناك ما هو أهم وأبلغ في المناجاة وفي المعاشرة.. هناك الحياة وما فيها من اشتياق دائم لما يحمله الغد، واشتياق مستمر لما قدمته من عطاء جعل التعلُّق بها سيرة لا تنقطع وحلماً يتجدد كل يوم وفي كل وجه من الوجوه.

    إن ضمير المُخاطَب في مفطوعات هذا الكتاب، هو الحياة بكل تلاوينها، هو حب الحياة.. هي الحياة/الأنثى، التي ما انفك الإنسان يتبتل عشقاً لها وبها، فيدأب على استعادة صورها في كل لحظة يخلو بها، متفكراً في ما تعطيه من جمالها وروعتها، كما يحبها أن تكون، فيقول:

    “….. إذ انقضّت عليّ وأنا مستند على الأريكة في رواق العريش أرقب قمراً يتسلل ضوؤه بين قطع الغيوم المتناثرة وهبوب أنسام شمالية”(مجنونان: ص 11). وهذه الصورة تعني أنه ليس مأخوذ بمن جاءت إليه وارتمت بين أحضانه، بقدر ما هو مأخوذ في ما ينظر إليه وما حوله من جمال في الحياة : قمر ونجوم وغيوم متناثرة..

    في تعابير الحب ومصطلحاته الشفافة، يخاطب الحياة عشيقة يزهو بها ويمرح معها في كل حين، دون زمان ومكان. وعسانا نجده أقنعنا بأن خطابه إنما هو ترجمة لما يعتمل به قلبه حباً لمن وهبها أجمل ما في نفسه من حب. لا يريدها أن تفارقه، يريدها أن تبقى ملهمته، فأولدها حبيبة تزهو بها نفسه في كل حين، يوماً يناجيها وآخرَ يرتجيها، ويعود بحثاً عن أخضانها ليرتمي عندها، يعلمها وتعلمه الحب:

    “الحب هو الحالة التي تجعل من متعة الجسد حياة

    مثل شرب الماء..

    ليس لها وقت ولا زمن” (تجرُّد: ص 20).

    وكما قلت في مكان آخر.. ليس لي، هنا، ولسنا في محكمةِ الشعرِ كي أستعرضَ ما أفاضَ بهِ وجدانُ المهندس، أو أبحثُ في إمكاناتِه الشعريةِ، أو أقايسَ بين صحيح منثوره وقصيده، إلاّ أنني أثني، بكثيرٍ من التثمينِ، على قدرته في ترجمةِ مشاعِرِه ببراعةٍ فائقةٍ وحذاقةِ ذائقتِه للحرفِ الجميلِ والجِملةُ الأنيقةُ، فهو يعيشُهُما في وعيه كما يعيشُهُما في خياله ، على أمل أن نقرأ له جميلاً وأكثر ارتباطاً بالأجناس الأدبية المعروفة.

    بيروت في: 25/7/2011

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *