الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    غازي قهوجي.. رحيل السينوغراف والأديب

    غازي قهوجي.. رحيل السينوغراف والأديب الساخر

    عباس بيضون

    gaziقلما تواعدنا أنا وغازي قهوجي رغم أن فضاءاتنا المشتركة لم تكن قليلة، وقلما اتفقنا على لقاء، لكننا كنا نلتقي على غير اتفاق ونلتقي على غير موعد. كثر هم الأصدقاء المشتركون بيننا وكثيرة هي الفضاءات التي تجمعنا، ولا بد من أننا، عن غير ما تعمد، نقصد إلى الأماكن نفسها والناس أنفسهم ونجدنا في المحيطات نفسها. غير أن كل لقاء بالصدفة مع غازي قهوجي كثيف عميق، فبيننا مدينة بأسواقها وأهلها ومطارحها وبحرها. مدينة تقاطعت سبلنا فيها فكان لنا، من ضفتين غير متباعدتين، المطارح نفسها والأصحاب والأصدقاء أنفسهم وكنا من ذلك الحين نلتقي على غير موعد وغير اتفاق، لكن بيننا ما نسجته الليالي والأيام والأصدقاء المشتركون من صلات غامضة ليست مسماة ولا مرقومة، ولكنها مع ذلك تحرك طبقات في الذاكرة وطبقات في النفس.

    بيني وبين غازي مدينة ابتعدنا نحن الاثنين عنها لكن بعدنا زادنا انتماء إليها فكلما شئنا أن يكون لنا مسار حياة بدأنا من هناك وتوقفنا طويلاً عند البداية، ثم إننا بعد هذه البداية العميقة لا نجد أمامنا سوى نتف صنعناها على الطريق بأيدينا ولم يكن خلفها حياة كثيفة كالتي تركناها وراءنا.

    كنا الاثنين من صور وربما اشتركنا معاً في درجة من الانفراد في محيط لا يسمح آنذاك بالانفراد ولا يأذن به. كنا مع قلة خارجين قليلاً أو كثيراً عن العموم الطاغي. لا نستطيع القول إننا كنا مشاريع فنانين فلم يكن هذا تصوّر لنا أو وجد اسماً. كانت لنا صلات باللغة والأشكال لم يقر لنا بعد أنها علائم اختلاف، اختلاف لم نكن فيه سواء. غازي الوسيم الطويل كان يبدو في طليعة المجموع فيما كنت أنا أقرب إلى الهامش. كنا الاثنين من مدينة لا نتساوى في الانتماء إليها. غازي بالتأكيد أعرق مني فيها ومنزله قبالة الكلية الجعفرية كان يبدو مثلها معلماً في المدينة. كان فنه ينخرط بسهولة في الجمهور، خفة ظله وتحنكه وتدبره. في هذا كان منظوراً لكنها صفات تجعله أكثر حضوراً وألمع. كان بحق من شبان المدينة الطالعين، ثم ان فصاحته لم تكن منافية للجمهور ولا تحدياً له. فصاحته كانت تدرجه بين فصحاء المدينة وتجعله بارزاً فيها. تجعله بين فتيانها اللامعين وموهوبيها الذين يحظون بإجماع واتفاق عام.

    غازي قهوجي كان صورياً أكثر مني بل إني أتلمح في صفاته، أياً تكن، شيئاً صورياً. أتلمح في خفة ظله تاريخاً من المجالس والطرف واللعب بالكلام، بل أتلمح تاريخاً من الأدب. كان صورياً أكثر مني وربما أكثر من معظم الصوريين، أقدر على أن يكون نموذجاً لمدينة، نموذجاً راهناً بقدر ما هو مستقبلي.

    كان فناناً لا يعرف حتى هذه اللحظة ما هو فنه. عرفه حين سافر للدراسة وعاد منها متخصصاً بالسينوغرافيا المسرحية والسينمائية، لكن بقيت له أطراف من فنون أخرى. جعل من خفة الظل فناً وبقي كاتباً. كان من أوائل الذين تخصصوا بالسينوغرافيا جعله هذا رائداً ومعلماً في بابه. ولد الفنان، ولد حقاً لكن من دون معركة مع المجتمع، ومن دون تنكر للأهل، ومن دون خروج ولا انشقاق، فالرجل الذي ظل صورياً إلى النهاية صار وبالدرجة نفسها بيروتياً ولبنانياً، وظل في كل ذلك وأثناءه وبالدرجة الأولى فناناً

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-10-05 على الصفحة رقم 14 – ثقافة.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *