الإثنين 25 يونيو, 2018

    الإباحية بين ثقافتين

    1
    views

    الإباحية بين ثقافتين

    ali radi-1علي راضي ابو زريق

    يأخذون بالثقة ونأخذ بالحزم. فلهم جرأتهم ولنا حذرنا. ولكل من الحالين حسناتها وسيآتها. فجُرأتُهم أنضجت القابل للنضج منهم لكنها حطمت نسبة عالية من الناس الذين لم يستطيعوا التماسك أمام إغواء الشهوة. ونحن حَذِرنًا فنَجَا كثيرون منا وكان بيننا أكبر نسبة من الأعفاء في العالم. ولكن نُمُوَّنا كان أبطأَ من نموهم.

    هذا ما تداعى لذهني بعد أن اجتاح مُعْتَدٍ صفحتي بمشاهد إباحية وضعها الغربيون لتكون محاذر لأنفسهم فاستعملناها سلاحا نحرق به من نشاء  منا!

    بهذه المناسبة تذكرت حادثتين الأولى كانت نقاشا دار بيني وبين صديق أميركي يتبع إحدى الكنائس البروتوستانتية الحديثة وقريب من الحزب الجمهوري. والثانية حدثت بيني وبين زملاء العمل عندما كنت موظفا في مركز البحوث الزراعية. ونبدأ بالأولى.

    مر بي روبرت مساء يوم جمعة ومعه كيس لمحت به ثلاثة أشرطة لأفلام إباحية. تظاهرت بعدم رؤيتها. وسألته ماذا يشرب فاختار الشاي. ومع تناول كأس الشاي قال : أتيتك لأستشيرك بأمر.

    أومأت برأسي وأنا أنظر إليه بجدية إشارة إلى أني أنتظر ما سيقول باحترام. فقال : أفكر أن أتوجه إلى الشرق الأوسط للتبشير. وأحرص على سماع رأيك في مهمتي، هل تظن أني  سانجح بدعوتي أم ترى غير ذلك؟

    قلت :تقصد انك تريد التبشير بمذهبك في بلادنا؟ قال : نعم. قلت له: لوتقرأ تاريخ التبشير في الوطن العربي لأجابك بطريقة افضل.

    قال: اريد ان أسمع منك.

    قلت: حسناً. إذا إليك رأيي. بدأ التبشير في بلادنا منذ مائة وخمسين عاماً. هذا هو الموثق في مراجع الجامعة الأميركية في بيروت. كان اسمها الأول المدرسة اليسوعية السورية حسب ذاكرتي الضعيفة . وكتب أحد مؤسسيها يبرر إنشاءها: إننا نطمع أن نحول أربعين مليون عربي إلى المسيحية.  هز صديقي روبرت راسه منتظرا النتيجة. فسالته أتعرف من هم الأربعين مليون عربي الذين سيحولهم ؟قال :لا . قلت لهم إنهم كل العرب المسلمين يومذاك. وسالته : هل تعرف ماذا كانت النتيجة؟ قال:قل لي انت. قلت لم يتحول عربي واحد من الإسلام إلى المسيحية. بل إن أحد خريجي الجامعة الأميركية وهو الزعيم الفلسطيني العروبي المعتدل جورج حبش احد مؤسسي حركة القومييين العرب  تمنى يوما وفي اجتماع لقادة العمل الفلسطيني لو أن اسمه محمد. ولعلك تعلم أنني أنا المسلم المتدين من خريجي تلك الجامعة.

    أصفر وجه روبرت وسأل بصوت خافت:ألم ينتجوا شيئاً على مدى قرن ونصف القرن؟

    قلت : بلى. نجحوا في تحويل بعض المسيحيين العرب من الأرثوذوكسية والكاثوليكية إلى البروتوستانتية. أي أنهم فرقوا المسيحيين العرب ووزعوهم إلى كنائس متنافسة. هل تريد أن تواصل هذا العمل؟

    أمال رأسه ورفع حاجبيه محتاراً وقال :لا أدري؟ قلت له : أما أنا فأدري. إن الكنيسة الأرثوذوكسية العربية هي صخرة المسيحيين الصادقين على امتداد العالم وستبقى كذلك حتى ينزل المسيح. وتبشيركم في صفوفها كتبشير الإيرانيين والباكستانيين بالإسلام بين العرب يضر ولا ينفع ويُفرقُ ولايجمع. نحن أبناء إبراهيم أدرى بما أُنزل إلينا فلا يخدعنّكم منظرنا الكسول وحالنا الهزيل. فالأمر كان لنا منذ البدء وسيبقى لنا حتى النهاية.

    ارتاح في جلسته وكأنه استعاد شيئاً من حماسته وسأل: ولكن ما سر تمسككم بأديانكم مع أنّا نقصد خيركم ونريدكم أن تنضموا إلى المجتمعات الحية النشطة لتكون لكم حياة نراكم تستحقونها. علي!! ومد ياء إسمي تأكيداً للمحبة.

    ضحكت وقلت له: ما هذا الذي في كيسك؟ قال :أفلام لليلة السبت كما يفعل كل الأميركيين الذين في عمري ولا يرغبون بتعاطي حبة الفياجرا خوفاً على قلوبهم من جلطة قاتلة؟ ولكن لماذا تسألني وقد رأيتها؟ أم تتهرب من سؤالي؟

    قلت: بل هي مقدمة جوابي على سؤالك؟

    قال: وما العلاقة؟ قلت: إن مجرد سؤالك هذا يجعلك غير قادر على فهم ثقافة العرب أو التفاعل معهم، فكيف تكون قدوة لهم لدرجة التأثر بك واتّباعك كقائد روحي؟

    قال ؟ وما الذي فعلته علي؟ أنت تعرفني وتعرف استقامتي؟

    قلت: العرب لديهم عقدة الكمال. فمن لا يكون كاملاً لا يستحق الاحترام ولا الاتّباع. وكمثل صغير؛ القرآن حرص على ذكر نقاط ضعف في حياة أنبياء، فهل تعرف ماذا فعل بها علماء القرآن العرب؟ اخترعوا قصصا لتضيع الحقيقة وحرموا أنفسهم من هدى القرآن في هذا المجال كي لا يروا مثلباً في من يحترمون.

    سأل: وهل هذه الأفلام عيب عندما يراها رجل مسن مثلي مع امرأته العجوز ليتمكن من تبادل السعادة معها؟

    قلت: كل ما يمت للجنس عيب عند العرب. فكيف إن كان فيلما إباحياً؟ إن مجرد رؤيتهم لك تحمل مثل هذا تسقط من عيونهم إلى الأبد.

    ضحك مقهقا وقال: آه.. الآن فهمت!!

    ـ فهمت ماذا؟

    قال: أتذكر تلك العصابة الأميركية من أصل عربي التي أمسكت بها الجهات الأمنية لأنهم يصورون أفلاما إباحية قذرة وغير مدروسة وتفسد الناظر إليها.

    قلت: نعم؟ ولكن حدثني عن أفلامكم!  هل تظنها أقل ضررا على المشاهد المراهق وغير المتزوج؟

    قال: هذه ليست لهم. ألم تدخل محلاً لبيع هذه الأشرطة مساء أي يوم جمعة لترى أن زوار المحل أناس بعمري وأكبر؟ وكلهم متزوجون. هذه مكتوبة بعناية لتعالج أمراضاً وأوهاماً تتعلق بهذا الموضوع الخطير. فهي توظف فضول الناس لرؤيتها، ليقوم كل فيلم بمعالجة حالات حقيقية يمر بها الناس، أو لِتُقَوِّم انحرافات تتعلق بالممارسة. وليست مجرد ممارسة كالتي وجدت في أفلام العصابة العربية الأميركية.

     وأضاف: هذه مكتوبة بعناية يكتبها دراميون حريصون على أخلاق المجتمع ويشاركهم العمل، كمستشارين، علماء نفس يعلمون ما يفعلون.

    سالته: ومن يضبط أمر هذه الأفلام ويتأكد من أنها تعالج ولا تُفسد؟ قال : لجنة في الكونجرس. ولي أصدقاء من الحزب الجمهوري أعضاء في اللجنة. وأنت تعرف أن الجمهوريين حريصون على الأخلاق العامة وليسوا كالديموقراطيين.

    وما دور اللجنة؟ قال: تراقب الفيلم، فإن لم تجده يعالج مشكلة ما ترفضه ولا تسمح بتداوله. بعض علماء النفس يقول إن هذه الأفلام تترك أثراً نائما في النفس. ويستيقظ هذا الأثر أسرع من أثر الدراما العادية ويقوم بعمله بمعالجة شيء في النفس بل ينهى عن الزّنا تحديداً، أو يخفف من الرغبة به. وعلى الأقل، يجب أن يكون في كل فيلم لقطات مدروسة هدفها إزالة سحر الغموض الذي يسيطر على عقول الشباب، ويدفعهم للمزيد من الانحراف ويحبب إليهم تعدد الشركاء من الجنس الآخر. كما أن كل فيلم يجب أن يعالج ممارسة خاطئة وينهى عنها بطريقة مقنعة. أوقفت النقاش معه خشية أن اقتنع بكلامة فأتحول إلى داعية لأفلامهم. ولكني نجحت في ثنيه عن تضييع عمره بالشرق الأوسط داعية لكنيسته بين المسلمين والمسيحيين.

    ومضت الأيام وحدثت القصة الثانية التي وعدتكم بها وهي جواب عملي لروبرت وأمثاله ممن يظنون الثقافة الغربية تصلح للعرب. كنت عضواً في منظمة العفو الدولية. وكانت ترسل لي بريدها الورقي باستمرار. وكله مما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في دول العالم أجمع. وذات يوم فتحت بريدي وأنا في مكتبي، فإذا به مجموعة كتيبات جميلة التصميم والتجليد ومعظمها عن حقوق المرأة وما تتعرض له من تحرش جنسي واغتصاب. ويصف أحد الكتيبات حالات اغتصاب يقشعر لها البدن. وصادف أن دخل مكتبي مدير إحدى دوائر المركز وأنا أطالع ذلك الكتيب. وهو شاب مهذب وأنيق، خريج جامعة محترمة وفي الأربعين من عمره. وليشاركني حالة الإحباط التي أصابتني ناولته نسخة الكتاب فطلب مني اصطحاب الكتاب إلى مكتبه ليقرأه على مهل. فناولته أكثر من كتيب لأكسبَه نصيرا للمرأة ولحقوق الإنسان. وغادر مكتبي ونسيت الأمر. وبعد أسبوعين أو يزيد جاءني مساعده ومعه الكتيبات وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة خبيثة. وقال هذه الكتب من فلان. ليتك يا أبا إياد تزودنا بمثلها دائما. ففهمت أنهم كانوا يتمتعون بقراءة قصص الاغتصاب.  وبدل أن تثير مشاعرهم الإنسانية تجاه المظلومات أثارت شهوتهم لأجسادهن المحطمة.. تذكرت حواري مع روبرت الذي مضى عليه سنين. وقلت في نفسي: أين هي دراما الإباحية التي يمكن أن تربي هؤلاء!!

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *