الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    المكتوب يُقرأ من عنوانه

    المكتوب يُقرأ من عنوانه

    علي .أ. دهيني

    wall_beirut4هذه المقولة تنطبق، أيضاً، على ما يجري اليوم من حراك على الساحة اللبنانية، دافعه المطالب الاجتماعية، وصولاً إلى المطالب الداعية إلى تغيير النظام.

    قد يكون كل شيء ممكن، نتيجة هذا الحراك. إنما يبقى السؤال الأهم : هل تم التنسيق فعلاً بين المكونات الشبابية التي تقود هذا الحراك.؟

    الصورة الأولى في الشارع، غيّبت هذا السؤال بسبب الاندفاع الشبابي نحو التحرك بالصورة التي ظهرت في الإعلام. وزاد في تغييبها كثرة الاعتقالات وقوة الصدامات بين القوى الأمنية والمتظاهرين.

    وما كان متوقعاً من بعض السياسيين، ظهر بالفعل عند الموجة الأولى من التظاهر، حيث بادر عدد منهم إلى محاولة تبني هذا التحرك وحشر نفسه وأنفه بتبني المطالب.

    هذا كله، يعيدنا إلى السؤال الأول: أين التنسيق.؟

    وعسانا نتدرج في الإجابة من خلال ترجمة معاني التسميات التي انضوى تحتها العديد من الشباب، قبل أن نتساءل عن الأسباب التي جعلت من فريق من مجموع الأفرقاء على الأرض يعتبر نفسه الأب في قيادة هذا التحرك، مع العلم أن اسمه لا يوحي، أبداً، بأنه في هذه المرتبة، لأن التسمية التي جعلها شعاراً له لا تعطينا معنى عينياً، بل تعبيراً مجازياً عامّاً خالٍ من الغرض المرجو الوصول إليه.

    الحملة الأولى “طلعت ريحتكم”.. حسناً نقرأ في ضمير هذا الشعار أن المقصود هم الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، إنما واقع الحال قابل للاستنزاف في نتيجته، بأن يرد عليه ما هو برنامجكم للقيادة وما هو بيانكم السياسي الوطني. بأحسن الأحوال، يمكن أن تنتصر وتذهب الحكومة والمجلس النيابي، وكل ما جعله هذا التحرك إغراءاً للشباب ليتحركوا، ولكن البلد مرهون ومأكول كل قدراته وأموال الشعب التي ذهبت لجيوب أهل السلطة، وتلبية لهذا الشعار يمكن لهؤلاء أن يقدموا استقالاتهم ويرحلوا عن البلد بكل ما نهبوه.. هل هذا هو المطلوب، أن يفرّ السارق بما سرق.؟ كما أن التمويه ممنوع بهكذا مواقف، بمعنى أن لا تقفوا تحت التينة وتنادوا لنكتشف في ما بعد أن المنادى عليه زعرور وليس تين!

    إن الوقوف تحت مظلة المطالب الاجتماعية، ومن ثم يتبين في ما بعد أن التغذية لهذا التحرك آتية من داخل بعض الجهات الحاكمة، معناه الخيانة الكبرى، بخاصة وأن صراع الأجنحة في بعض التيارات السياسية ظهر إلى العلن، بعدما استفحل في داخل الأروقة، ولم يجد أحدهم غضاضة بأن يدفع بالأمور نحو التصعيد بهدف ضرب المنافس له في النفوذ داخل هذا التيار.

    وللتذكير هنا نرجو أن لا يكون الهدف هو ضرب الطايع تحت مسمى العاصي، لأن في أهل السياسة من هم حريصون ومخلصون في لبنان يستحقون أن لا يتساووا مع غيرهم من الطبقة الحاكمة، كذلك هناك شباب من لبنان يبذلون دمهم الشريف لحماية هذا الوطن، نتمنى أن لا يكون من أهداف الدافعين من وراء الستار، هم هؤلاء.!!

    نعود لنقول لحملة “طلعت ريحتكم” ما هي المواصفات المطلوبة للبديل، بحسب هذا الشعار.؟ كما أن ما أعلن في المؤتمر الصحفي أمس، لا يكفي ليكون هدفاً للتحرك، ولو شيء له أن يتحرك بطريقة الخطوة خطوة.

    الحملة الثانية “بدنا نحاسب”، واضح من هذا الشعار أن هناك من يجب محاسبته على أفعال ارتكبها وكانت سبباً في هدر أموال الدولة، وبالتالي سبباً في إفقارها وإرزاحها تحت المديونية. كما أن هناك غنائم توزَّعَها عدد من المسؤولين، (مثل الأملاك البحرية وغيرها من مشاريع وشركات استشارية وهمية ووو).. إلى ما هنالك من سمسرات وتلزيمات تبيّن أن واحدة من هذه الأمور لم تخلُ من ربيب لها في السلطة.

    أيضاً، هي تحتاج إلى بيان سياسي محدد، رغم أن شعارها واضح وهو المحاسبة. محاسبة كل مسؤول في هذا النظام وإعادة ما نهبه من أموال الشعب.

    “طفح الكيل” هذه، أيضاً، مجموعة تحركت في إطار التظاهرات، ويبدو أنها اقتصرت على مجموعة من الفنانين، إلاّ أنها سعت إلى التواصل مع إدارة الحكم (الحكومة)، بغرض تقديم عريضة من المطالب تشرح معاناة المواطن.

    نقتصر على هذه المجموعات الثلاث، لنؤكد ما تمنيناه من ضرورة إيجاد هيئة تنسيق توحد الشعارات وتقدم بياناً سياسياً قابلا للحياة، وليس مجرد شعار لا يؤدي إلى نتيجة، بل يفسح المجال للاستغلال من قبل مرجعيات سياسية معينة.. هيئة تنسيق تظهر الأسباب التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه ويتم محاسبتها على هذا الأساس.

    إن ثورة بدون بيان سياسي يعرض أسبابها ويحدد أهدافها، مآلها الاستغلال إذا أحسنّا النية، أو يجعلها مجرد حركة ارتجالية لا نتيجة مرجوة منها.

    إن لبنان إذا أردناه وطناً قابلا للتطور والتقدم وإنصاف شعبه بقدراته، لا يمكن إلاّ أن يكون دولة مدنية بنظام علماني يتيح للطوائف ممارسة حقوقها الخاصة، فيما المواطن فيها ينال حقه دون امتيازات تعززها الطائفية السياسية التي كانت، دائماً، هي السبب في كل ما وصلنا إليه، لأن أصحاب رؤوس الأموال هيمنوا ـ كل من موقعه الطائفي ـ على مقدرات الدولة وأسروا أبناء طائفتهم في دائرة الغريزة التي يحركونها متى شاؤوا.

    نعم مطلوب المحاسبة لأن هذا ما يحتاجه لبنان،  والمحاسبة كفيلة بأن تصلح كل الأمور، وتبعد شبح الطائفية ـ وفقاً للدستور ـ حتى وإن لزم تعديله ليتوافق مع العقد الاجتماعي الجديد الذي يضمن حقوق المواطن لا الطائفة.

    إن الفرز الطائفي الذي أوجد أحزاب طائفية، سببه الحرمان الذي أعطى امتيازات لطائفة على حساب طائفة أخرى، ولولا هذا التمييز لما سعى السني إلى زعيمه، أو الشيعي إلى زعيمه أو الدرزي أو الماروني أو الارثوذكسي.. أوأو.. إلى زعيمه (الطائفي)، ولما كانت الأحزاب على هذه الشاكلة.

    بالخلاصة، نحن حتماً مع شعار اللاطائفية. نحن بحاجة إلى إصلاح النظام لا إلى تغييره، وجعله علمانياً تُحترم فيه الطوائف، وينال المواطن حقه في بنائه بما تستحق إمكاناته. وهذا يتوافق مع الدستور القائم، ولو مع بعض التغديلات.

    المهم أن يحاسب كل من تجب محاسبته.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *