الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    عزازيل يوسف زيدان ما لها وما عليها

    عزازيل يوسف زيدان

    ما لها وما عليها

    علي راضي ابو زريق*

    zaidan

    الروايةُali radi-1 بعامةٍ تقليدٌ لخلق الله بهدف الهداية والإصلاح. لذلك يلزم أن يتحقق في صنعها أمران: معرفة قوانين الله في الخلق من البشر وأن تنتهي أحداثها بالعدل المتعارف عليه بين أهل اللغة التي كتبت بها. ورواية عزازيل التي امتلكت من الجاذبية والإقناع ما أهلها لتكون واحدة من أنجح الروايات العربية في العصر الحاضر  بفضل تقنيات معقدة وقضايا حساسة وظفها الكاتب في بناء قصته، التزمت أيضاً بأصول البناء الفني للرواية بإبداع وتلطف يعز نظيره. مما يضطر القارئ المهتم لإعادة قراءتها كي يتبين الدقائق التي استعملها الكاتب في صناعة شخصياته لتستحق النتائج التي أوصلها إليها. وكي تبدو في سلوكها معقولة وقريبة مما يحدث في الحياة.

    الحبكة: تكاد أحداث الحبكة تختفي أمام جاذبية المعلومات وتنوع أحداث الرواية وتعدد مجتمعاتها. خصوصاً أن حبكة عزازيل تقوم على مجاهدة الراهب هيبا  نفسَه. ومجاهدة النفس  لا تكاد تُرى إلا من خلال نتائجها. وقبل ظهور النتائج تختلط أمورها وقد يجيد تمثيلها المنافق وقد ينكرها الناس على المؤمن الحقيقي. مصداقاً لقول الجنيد “لا يصل امرؤ إلى مرتبة الحقيقة ما لم يعامله ألف صديق له كأنه زنديق.”

    قامت الحبكة على جهاد هيبا وسعيه الدائب للوصول الى الإيمان والانتصار على ضعفه أو شهواته خصوصا شهوة النساء ونجاحه في تحقيق نفسه كراهب حقيقي عفيف. فهل نجح؟ وما هي التقنيات التي استعملها الكاتب لإبراز صراع الراهب هيبا مع عزازيل الذي احاط به ليضعفه ويهزم إيمانه. وما هو رأي الكاتب في موضوع الشهوة من النساء ؟ وهل إلى نجاح من سبيل؟

    3zazilوصراع العفة مع نوازع الشوق إلى الشهوة المحرمة  كان مادة حبكة معظم الروايات العالمية الناجحة. فهي الهم الأكبر للإنسان الحكيم. وليس في هذا مبالغة. فإذا اتفقنا على القبول بنظرية الدين وهي أن الإنسان مخلوق ليُجرَّب ، ويُبتلى في هذه الحياة فينجح أو يفشل، فإن الحفاظ على عفته يشكل الجزء الإجباري في امتحان الإنسان. فكل إنسان طبيعي التكوين يتعرض لهذا الابتلاء في مرحلة من حياته إن لم يكن طيلة حياته. بينما تكون بقية مواد الاختبار متغيرة من إنسان لآخر. ففيما عدا الشهوة إلى الجنس الآخر التي يعيشها كل إنسان. فليس كل إنسان يختبر بالمال ليتصدق ويؤدي حق مجتمعه عليه فينجح أو يبخل فيفشل. وليس كل إنسان يختبر بالفقر ليصبر أو ينحرف ويكفر. ولا كل إنسان يملك سلطة وقوة ليُبتلى بعدل  وقوة عقله فينصف ويحلَم أو يشط ويظلِم. ولا كل إنسان يُبتلى بالضعف ليختبر بأصالة إرادة الحرية والكرامة لديه. وهذا ينطبق على كل مادة بلاء إلا الجنس الذي يرافق العقل العادي ذي الجسد الحي.

    وكاتب عزازيل بدء ببناء الحبكة منذ البداية وبطريقة رشيقة بقدر ما هي لطيفة خفية مراعياً عدم وضوح الفكرة رسميا عند المسلمين والمسيحيين. وإن كانت جماهير الدينين بل البشر جميعا على رأي اليهودية في هذه الأمر وهم  لا يعلمون.  ورأي اليهودية أن الشجرة المحرمة التي أكل منها آدم وحواء هي ممارستهما الجنس قبل أن يأذن الله . وهذا هو عصيانهما الذي استحقا به الطرد من الجنة.

    ولم تقتصر حبكة عزازيل على صراع العفة بل ذكرت لنا سيرة هيبا منذ كان طفلاً في التاسعة مسجلة أحداث حياته التي يرى فيها يوسف زيدان أنها كانت قاعدة للنجاح والفشل اللذين حققهما الراهب هيبا. ومع مسيرة حياة هيبا وصف الكاتب معظم فئات المجتمع الذي كان موجوداً في زمن القصة.

    وزمن القصة يبدأ منذ كان هيبا في التاسعة من عمره وهو المولود عام 391 م. أي أن القصة تبدأ مع بداية القرن الميلادي الخامس تقريبا وتنتهي مع بداية تسجيله لمذكراته في سبتمبر (أيلول) من عام 431م. وهي من أخصب أزمنة الحياة البشرية ففيها تبلورت العقائد المسيحية. وهي الدين المشترك بين الشرق والغرب حيث تعيش المجتمعات الأكثر فاعلية في تاريخ البشرية. وما زال المجتمع الغربي المسيحي هو الأقوى تأثيرا في الثقافة البشرية حتى اليوم.

    واختار الكاتب المسيحية قاعدة لصراع الإنسان مع العفة. وهو قضية الإنسان الأبدية، لما تقدمه المسيحية للمفكر من حرية حركة خصوصا في ذلك الزمن الذي شهد صياغة الإنسان لعقائده . فلا شيء مفروض من الأعلى . وهي الفكرة التي يحاول الكاتب إبرازها طيلة الوقت. فالدين عنده بما في ذلك أقدس مقدساته هو من صنع الإنسان. وهذا ما لا يمكن أن يتيسر له لو جعل الإسلام بيئة لقصته حيث يحزم القرآن قضية العقيدة، حزما لا مجال للجدال فيه. والعقيدة رأس الدين ويتعبها في شأنه ما سواها.

    وبالنسبة له كمسلم فإن المسيحية في زمن القصة كانت آخر دين سماوي فهي الأصح يومها والأكثر قبولاُ عند الله من زاوية المفكر المسلم، وهي الأقرب للعربي المسلم في كل الظروف. وأخيرا اختار الكاتب أسمى ما في المسيحية وهو الرهبنة. لا ليهزأ بالرهبنة كما تفعل بعض المذاهب المسيحية المعاصرة (البروتوستانتية). بل ليقول هذه هي طاقة الإنسان في أحسن حالاته.  ولكنه يشرك المجتمع المحيط بكل فئاته في صنع النتائج التي وصل إليها الراهب هيبا.

    ولعله من المناسب هنا قول كلمة خير وهي أن الكاتب يوسف زيدان أكرم المسيحية بقصته هذه ولم يتعمد إيذاءها كما يظن بعض أهل الكنيسة المرقسية المبجلة. وما ذكره من أحداث اختلاف الكنائس وتدخل أهل السلطة في صياغة قوانين الإيمان وموقع المسيح في العقيدة المسيحية ليس سرا يكشف لأول مرة بل يعرفه كل مثقف بتاريخ الأديان.

    وفي القصة لا يفشل كل الرهبان في تحدي الشهوة فهذا فريسي الأقنوم ينجح  في التحدي بفضل الاعتراف والرهبنة وكلاهما من خصوصية الكنيسة وأدواتها في استعادة الإنسان إلى الله. ويوظف زيدان الأدوات التي مكنت فريسي الأقنوم من النجاح لصالح نظريته الخاصة حول الموضوع. وجعل من حالتي هيبا والأقنومي المتقابلتين ،تقريباً، ثنائية النجاح والفشل في اختبار الحياة. ومهد لكلا الحالين بما يناسبها من الوقائع والبيئات.

    يبدأ صراع الأديان في حياة هيبا مذ كان طفلاً في التاسعة من عمره. وكانت البداية حدثا يعز على النسيان . فقد قتل عوام المسيحيين المتعصبين والده الطيب  لأنه كان وثنيا ويقدم بعض السمك الذي يصطاده لكهنة معبد الإله خنوم الذي كان يتبعه. ثم تتزوج أمه من أحد أؤلئك القتلة بل تكون أمه شريكة في قتل أبيه فهي التي وشت به لدى أقاربها من جهال الصليب على حد تعبير الكاتب.

    مع هذه الحادثة القاسية يستغرب الإنسان كيف يدخل مثل هذا المجروح الفؤاد دين المسيح بعد الذي لقيه من أتباعه؟ ولكن لا مفر له. فعمه الذي كفله بعد مقتل أبيه وزواج أمه كان مسيحيا طيباً. وأرسله إلى مدرسة نجع حمادي الكبيرة ثم مدرسة أخميم وفيهما درس الفلسفة واللاهوت والطب وشيئاً من الموسيقى.

    ويلاحظ أن هيبا لا يفرق كثيرا بين أصول هذه العلوم إن كانت وثنية أو مسيحية فهو مهتم بالمعرفة مخلص لها. فهل سيكون لهذا دور في سيرته كطبيب وراهب؟

    وبعد سنين في كنيسة أخميم رُسِمَ هيبا راهباً وكان يومها في حوالي العشرين من  عمره.

    وفي هذه المرحلة ربما شعر هيبا أن موهبته وعلمه أكبر من أخميم؛ وربما أراد أن يبحث عن جو جديد يعينه على نسيان ذكرياته المرة؛ فأراد أن ينتقل إلى مدينة كبيرة. فكانت الإسكنرية بعظمتها وعراقتها وجهته التالية فرحل إليها.

    وقبيل وصوله الإسكندرية وضعنا في صورة الصراع الاجتماعي والعرقي والديني المستقر في المدينة منذ مئات السنين أو أكثر ” كان كاهن الكنيسة الكبيرة في أخميم قد حكى لي أن الإسكندرية من يوم إنشائها ولزمن طويل تال لم تكن تسمح بمبيت أمثالنا نحن المصريين داخلها. ثم تغير الأمر مع مرور الأيام فصارت المدينة بعد انتشار ديانتنا مفتوحة للجميع… سيأتي اليوم الذي لن نسمح فيه للوثنيين ولا لليهود بالمبيت . لا في الاسكندرية ولا في المدن الكبيرة كلها.. غداً سيسكنون خارج الأسوار وتكون المدن كلها لشعب الرب”.

    يصل هيبا إلى الاسكندرية على هيئة رجل عادي بعد أن نصحه أحدهم أن يخلع عنه ملابس الرهبان خشية أن يتعرض لأذى.

    ويدخل الإسكندرية صباحاً ويسير في شوارعها العريضة المبلطة ذات الأرصفة متعجباً من نظافتها. فالكادحون يغسلونها كل ليلة ويبيتون خارج أسوارها. بينما يستمتع أهلها بالسهر ليلاً والنوم حتى الضحى. ويستنتج من سلوك أهلها وجمال مبانيها ودقة عمرانها أنها ليست مدينة الله بل مدينة الإنسان.

    ويقرر أن يتعرف على بحر المدينة والسباحة في مائه قبل أي عمل آخر. وفي طريقه للبحر حرص على أن لا يعرف أحد شيئاً عن هويته الدينية. قال الشاب الذي يبلغ الثالثة والعشرين من عمره بسلبية لا تليق بصاحب هذا العمر “لا يجب أن يلتفت إلي أحدٌ، لا من أؤلئك ولا من هؤلاء، ولا حتى من اليهود الذين يحظون في المدينة بكراهية الفريقين! يكرههم الوثنيون لجشعهم ،ويمقتهم المسيحيون لوشايتهم بالمخلص وتسليمه للرومان ليصلبوه.. ليصلبوه.. أتراه صُلب حقاً؟”

    وفي الطريق إلى البحر يسمع للمرة الأولى في حياته عن امرأة عالمة اسمها هيباتا.سمع مناد يزعق باليونانية من فوق بغلته :” الحاكم اوريستيس يدعو العلماء والمتعلمين إلى  محاضرة أستاذة كل الأزمان صباح يوم الأحد بالمسرح الكبير.” فتساءل: “أستاذة كل الأزمان!هل للأزمان أستاذة..امرأة؟”

    ويصل البحر فيكاد يعانقه من فرحه به.” البحر إنه الماء العظيم الذي بدأ منه الوجود…كانت رائحة البحر غريبة علي والماء المالح… ساعتها تاقت نفسي للعوم…تلفت في كل الجهات فلم أر في المدى أحداً غيري. ملت بكفي إلى البحر وغسلت وجهي بمائه المالح فخف توجسي. تقدمت متوجساً حتى وصل الماء لركبتي انتابني شعور آخر ما كنت أعرفه…كانت موجات البحر تهزني وتدغدغ فيَّ حواس منسية…كادت موجة توقعني، فضحكت بصوت عال لم أسمعه مني قبلها بسنوات ولا بعدها بسنوات…الماء يحملني ولا يجذبني تياره.”

    أكثرت من الاقتباس هنا لأن الكاتب أراد بهذه الفقرات من الرق الثالث ان يمهد للسقوط الكبير. فالبحر والملح والموج وتفاعل النفس معها كلها من منبهات الشهوة التي وصفها هيبا في مذكراته:” ولما حملني البحر، شعرت بأنني جنين يخرج من رحم هائل. …. وجال بخاطري ان البحر امرأة لعوب .”

    وبعد أن أنهكه البحر وأوشك أن يودي به رأى على الشاطئ شخصا يلوح له فاستعجل مدافعا عن حياته بطوقه حتى وصل الشاطئ. فاندفع ببقية رمق الحياة نحو ملابسه ظاناً أن الذي لوح له ” لم يكن من البشر وإنما هو ملاك ارسله الله من السماء لينقذني من التوغل في غواياتي..” ونحن نعرف أنه كان متوغلاً في البحر لا في الغواية لكن يوسف زيدان يمهد للحدث التالي بلغة رمزية ذات أجواء صوفية.

    لقاء اوكتفيا: لا يكاد يرتاح على الشاطئ حتى تظهر أوكتافيا المرأة السكندرية الوثنية المشتاقة للزواج. وتنتظر زوجها الوعد عند شاطئ البحر كما تنبأت لها عجوز من كاهنات معبد وثني هدمه المسيحيون.

    سلم نفسه لها منذ اللحظة الأولى فبدأت بتدليله وإغوائه منذ مغارة الشاطئ . وقبل ان ينتقل معها إلى بيت سيدها التاجر الصقلي الكبير المسافر تلك الأيام ، كان هيبا يعلم بما يفعل وبما سيحدث بينه وبينها “كنت آدم الذي يوشك أن يخرج من الجنة؛ لأنه يوشك ان يدخل الجنة فيأكل ثانية من الشجرة.. وبهذا الاشتهاء المحرم، المفعم بانجذاب سحري كدت اقبل عليها بدون روية”.

    أوكتافيا التي تعمل خادمة في قصر تاجر كبير اصطحبت هيبا إلى بيت سيدها ليعيش معها بضعة ايام كانه في جنة لم يعش مثلها من قبل ومارست معه الفاحشة بكل ما كانا يختزنان من شوق وشبق. وسجل في رقوقه ما جرى في يومهما الأول:”في ليلتنا الأولى هذه.. ليلتنا..كانت حافلة بالشهوات المحرمة التي أهبطت آدم من الجنة.”

    أستمر هذا الحال اياماً تعرف هيبا خلالها على أفكار السيد الصقلي وقرأ كتباً ورقوقا في مكتبته ولعله احب تفكيره العلماني  وتصوراته الصوفية فهو كما قالت عنه أوكتافيا “لا يؤمن بدين معين، وإنما يعتقد في صحة كل الأديان وجميع الآلهة، ما دام ذلك يرتقي بالإنسان.”

    ويعلل الكاتب سبب سقوط كل من هيبا وأوكتافيا . فهيبا شاب يلتهب بالشهوة وما زال في قلبه شيء على المسيحية بل نشعر بتشابك الأمرين معا في مذكراته:”في الثامنة عشرة من عمري ..فاتحت عمي بتزويجي بفتاة من اهل النوبة..غير انه لحكمة غابت عني نصحني بأن أكمل دراسة الطب واللاهوت… أتراه أراد أن يصيرني راهباً ، ليمسح من قلبي ذكرى ما فعله قتلة ابي؟”

    وكي يبرر ما فعلته أوكتافيا من الفحش سواء عند القارئ او لدى هيبا يذكرنا بنبوءة الكاهنة لها والتي تصدق زماناً ومكانا. فقد تنبات الكاهنة لأوكتفيا أن يرسل لها بوسيدون إله البحر بزوجها المنتظر محمولاً على صفحات الموج بعد علامتين :يومين ،اسبوعين، شهرين أو سنتين. وبعد سنتين تماماً جاءها هيبا من وسط دوامة بحرية خطيرة ليزيد بوسيدون نعمه عليها. فهو الذي يرزق سيدها الصقلي التاجر الذي يعتمد على البحر والسفن في نقل تجارته. فهيبا حسب دينها هو الزوج المنتظر.

    وبالمقابل يتساءل هيبا عما يفعل بطريقة مختلفة تناسب وضعه كمتدين “إلى متى سيدوم هذا الحال المخايل .. هذا النعيم المؤقت، والخداع؟لست مخادعاً بطبعي، ولم أكذب طيلة عمري. فلماذا أضللها وأضل معها منذ رايتها؟ الرب يراني ويراها، ولن يغفر لي ما أنا فيه . ولن يجيرني من عقابه أحد إلا توبتي ورحمته. ولو شاء عفا عني، ولو أراد فسوف ينكل بي عقاباً على خطيتي… وقد نكل بي قبلاً، دونما أقترف أي خطية! فلعل ذاك جزاء هذا.. ماذا عن خطايا أكتافيا؟ هل سيعاقبها الرب عليها، أم يتجاهلها لأنها وثنية لا تؤمن به؟ اتراه يعذب فقط المؤمنين.. اظنه سيعفو في النهاية عن الجميع، لأنه رحيم.”

    مشاعر زان خائف وأمانيه. وبالمقابل تمهيد للعذاب الذي سيقع على أوكتافيا بعد ثلاث سنوات عندما تقتل بأيدي الناس فكأنهم يقيمون عليها حد الزاني المحصن. ويعاقب هيبا على فاحشته بمعاناة نفسية وجسدية تليق بالزاني غير المحصن . ومن يراقب عمل الله في الناس يدرك صدق يوسف زيدان فيما يسجل بروايته.

    وبذا تتمهد الظروف للفراق. لكنه فراق غير جميل. فلم يستطع هيبا أن يتحمل سماع المزيد من إزدرائها للمسيحية ولاحظت انفعالاته على ذلك فسالته عن سره فاعترف لها أنه راهب مسيحي. فاشتطت غضباً وصرخت به غاضبة: “أخرج من بيتي يا حقير، أخرج يا سافل.”

    يستعد هيبا لمرحلة جديدة من حياته. لكنه يعيش بين المرحلتين يومين من الندم والهوان والأفكار المضطربة اليائسة. مع استراحة نفسية قضاها في الاستماع لمحاضرة الأستاذة هيباتا. يسميها شقيقة يسوع مع أنها وثنية.كانت محاضرتها في الفلسفة وتحدثت عن قدرة العقل على إدراك النظام الكامن في الكون. بل لعل الكاتب أراد أن يلمح أنها كانت تؤمن بفكرة وحدة الوجود. ثم استمع هيبا لمحاضرتها الثانية في الرياضيات. وفي هذه الأثناء يفكر بتغيير اتجاهه في الحياة لدرجة أنه يفكر باتباع هيباتا والتعمق في الطب وفهم الرياضيات ونسيان الرهبنة والكنيسة. وأتيح له في نهاية المحاضرة لقاء هيباتا والتحدث إليها مباشرة . كما يحدث عادة في نهاية كل محاضرة مثيرة للنقاش.وبالمناسبة ورد ذكر هيباتا في احاديث هيبا وأوكتافيا. فسيد أوكتافيا الصقلي صديق لهيباتا واعتادت زيارته في بيته.

    اختفت هيباتا وراء سور المسرح ليعود هيبا إلى ما كان فيه من يأس . لكن القدر يتحرك بطريقة سريعة فيلتقي في حديقة مجاورة للمسرح بزملاء قدامى من نجع حمادي وأخميم فيقودونه إلى القس يوأنَّس الليبي. وبذا يصير راهبا في الكنيسة المرقسية الكبيرة كنيسة القمحة.

    ولا يبدو وضعه كراهب مريحا له. ولا نلمس من أحاديث نفسه إخلاصه لفكرة الرهبنة مع أنه فكر بعد مغادرة أوكتافيا بخصاء نفسه كي تستقيم رهبنته وعلاقته بالله. ثم يعدل عن الفكرة طاعة للكنيسة ورغبة في مقاومة رغبات النفس !! ويتعرض لأول صدمة عندما يعلم من راهب صديق له أنه لا يستطيع حضور محاضرات هيباتا بل لا يستطيع ذكر اسم تلك الشيطانة .

    واختزنت نفسه كثيرا من الاعتراضات على الأسقف كيرلس عمود الدين فهو صورة مناقضة للمسيح في الظاهر والباطن من الأمور. وبعد ثلاث سنوات في كنيسة القمحة والاستماع إلى مواعظ كيرلس كل أحد، جاء أحد اسود هيج فيه كيرلس جماهير المسيحيين للتحرك صوب المسرح الكبير لقتل هيباتا. وهو ما لم يطقه هيبا فقرر ترك الاسكندرية والبحث عن كنيسة أخرى خارج مصر كلها.

    وفيما يلي وصف لحادث مقتل هيباتا “سحبها بطرس  (القارئ) من شعرها إلى وسط الشارع وحوله أتباعه من جند الرب يهللون. حاولت هيباتا أن تقوم فرفسها أحدهم في جنبها ، فتكومت، ولم تقو على الصراخ. أعادها بطرس إلى  تمددها على الأرض بجذبة قوية من يده الممسكة بشعرها الطويل. الجذبة القوية انتزعت خصلات من شعرها…. أقبلت امرأة حاسرة الرأس كانت تصرخ وهي تقبل نحونا مسرعة فزعة قائلة: يا أختاه.. يا جنود الرومان.. أغثنا يا سيرابيس. اندست فيها الأذرع ، فرفعتها عن هيباتا وألقتها بقوة إلى جانب الطريق. اصطدم راسها بالرصيف ، واسحج وجهها فتلطخ بالدم والتراب .  حاولت المرأة أن تقوم فضربها أحدهم بخشبة عتية، بأطرافها مسامير، فترنحت المرأة وسقطت من فورها على ظهرها، أمامي ، والدم يتفجر من أنفها وفمها، ويلطخ ثوبها. وعند سقوطها أمامي صرختُ من هول المفاجأة..فقد عرفتها.. وهي لم تعرفني، فقد كانت تنتفض وهي تلفظ آخر أنفاسها. وهكذا ماتت أوكتافيا، يوم الهول، تحت أقدامي، دون أن تراني…صارت هيباتا عارية تماماً..لا أعرف من اين أتوا بالحبل الخشن الذي لفوه حول معصمها .. ثم راحوا يجرونها وهي معلقة من معصمها…سحلوا هيباتا المعلقة بحبلهم الخشن..حتى تسحج جلدها وتقرح لحمها..الذئاب انتزعوا الحبل من يد بطرس وهم يتصايحون،..القوها فوق كومة من قطع الخشب، وبعدما صارت جثة هامدة..ثم أشعلوا النار.. علا اللهب وتطاير الشرر.. وسكتت صرخات هيباتا.”

    يصاب هيبا بصدمة قاسية بعد مشاهدته مقتل هيباتا. ولم يخفف من صدمته مقتل غريمته أوكتافيا وسقوطها تحت قدميه. فقرر عدم العودة إلى الكنيسة المرقسية بل التوجه شرقاً ليبدأ مرحلة جديدة من حياته.”كنت كمثل اليهود في سنوات التيه العظيم، بصحراء سيناء التي كنت أسير نحوها..لماذا أخذتني خطاي نحو سيناء؟ هل كان ذلك تدبيراً إلهياً لم أفطن إليه؟ أم هي الأيام تعبث بي، وتقلبني كل منقلب، لأرى من العباد والبلاد، ما لم يكن يخطر لي ببال؟

    بعد مقتل هيباتا أغمي عليه ثم أفاق على منظر ثلاثة أشخاص :راهب وصبي وامرأة سوداء. وفي حالة تشبه السكرة ما بين إغماءته وصحوه انتزع صليبه من على صدره فانقطع خيطه فسقط على الأرض فأحس براحة مفاجئة. وفي طريقه شرقاً وهو يخوض نقائع في الدلتا رمى رداءه الكنسي وغطاء رأسه فانزاح ثقل عن روحه. بل يشرق أمامه أمل جديد ويصلي صلاة تفيض بروح الفكر الصوفي كذاك الذي نجده عند الشاعر الفارسي فريد الدين العطار في ملحمته منطق الطير يقول زيدان على لسان هيبا “أخلي ذاتي لذاتك كي يشرق بهاؤك الأزلي في مرآتك”. وتتفاعل روحه مع صلاته ويعمد نفسه بماء طاهر ويعطي نفسه إسما جديداً هو هيبا المشتق من اسم الشهيدة هيباتا. في تلك اللحظة صار راهبا حقيقيا. وغفر ماضيه كله بما فيه وشاية أمه بابيه ومقتل ابيه أمام عينيه. ” أنا الآخر المؤيد بالملكوت الخفي وأنا المولود مرتين”.

    واصل طريقه شرقاً وأغلب ظنه أنه متجه إلى اورشليم ليلمس هناك أصل الديانه. وفي سيناء التقى راهباٌ دمياطي الأصل ترهبن قبل عشر سنين لأن محبوبته أجبرت على الزواج من سواه. لكن الأيام أقنعته باختياره حتى صارت الرهبنة عنده موقفاً من الحياة. ومع مساعدته لهيبا على مشاق الرحلة التي تنتظره نصحه: “إن كنت تبحث عن اصل الديانة كما تقول ، فاذهب إلى مغارات البحر الميت، وقابل الأسينيين، فهم اليهود حقاً..واليهودية هي الأصل..وإذا ذهبت إلى هناك، فاحرص على لقاء الراهب خريطون، فهو أكثر أهل الأرض صدقاً وتوحداً”.

    بعد رحلة استمرت أكثر من شهر وصل هيبا مغارات البحر الميت فلم يجد الأسينيين الذين اختفوا منذ عهد بعيد. ولكن الراهب خريطون استقبله بعد ثلاثة أيام من مرابطته على باب مغارته. شكا هيبا له شكوك نفسه وعنف أهل الديانة وممارستهم للقتل والعنف. فأعطاه نتيجة تجربته التي تبدأ من اليقين بتجسد الله وظهوره في المسيح. ليصل بعدها إلى مرحلة تفويض الأمر كله ألى الرب وزوال الشكوك. ولكن ما قاله له لم يزل شيئا من شكوكه كما نفهم من تساؤله عندما شاهد كنيسة القيامة أول مرة.

    ومع هذا اتبع نصحية خريطون وهو يتوجه إلى أورشليم فيدخلها بعد أن يتجول في الأرض المقدسة ثلاث سنين على خطى المسيح ويقضي في القدس سبعة أعوام قبل أن يلتقي نسطور. فيكون لقاؤه محطة جديدة في حياته.

    بناء على نصيحة نسطور وبسبب جدب الحياة في القدس يتوجه هيبا إلى ما سماه الدير الشمالي وهو دير يقع شمال حلب. وقد أحب الدير منذ رآه. ثم ازداد له حباً عندما تعرف على مجتمع الدير وعلى رأسهم رئيس الدير الزاهد الوقور المنبسط الوجه. يقول ” كانت ايامي الأولى في الدير هادئة هانئة، أمضيت أوقاتي في القراءة والعبادة، فسكنت روحي.”

    وفي الدير الشمالي يقضي وقته بالعبادة والتأمل ومداواة المرضى. لم يأخذ أجراً من مريض شفاه وكان يوجه مرضاه للتبرع للكنيسة إن شاؤوا. ونتيجة لهذا السلوك العف  الكريم ومهارته في الطب وشفاء كثيرين على يديه فقد نال احترام رجال الدير ومن عرفه من زوار الدير. وهناك أشرقت أنوار روحه وتصالح مع نفسه كمسيحي مؤمن. فبدل تساؤلاته عن طبيعة المسيح وصلبه إذا به يقبل أخص خصوصيات العقيدة في المسيح الفادي. يقول في أحدى قصائده الروحانية التي كانت تبدأ في المنام ويكملها في اليقظة:

    “باحتماله الآلام دفع عنا الآثام، وبالتضحية افتدانا… اتاح روحه أضحية على الصليب، ليكفر عنا، ونخْلُصَ إلى خلاصنا.”

    وأثناء وجوده في الدير عُيِّن صديقه نسطور أسقفا للقسطنطينية. ونسطور بالنسبة له ليس صديقا وحسب بل مرشده وصاحب العقيدة الأقرب إلى عقله وقلبه والأقل إثارة لشكوك النفس. ولكن نسطور يتعرض لما يتعرض له عادة صاحب الموقف العقدي إذا أدار منصباً شريفاً. فأصحاب الآراء الدينية لا يطيقون المختلف عنهم وهم ينافسون على مواقع الشرف والتأثير. وتنتهي خلافاته بل معاركه الفكرية مع أسقف الإسكندرية بانتصار الأخير وعزل نسطور بل نفيه ليكون في منطقة نفوذ أسقف الإسكندرية. ومما يزيد قسوة الحادث عليه أن نسطور استدعاه يوماً واستعان به في التعامل مع أسقف الإسكندرية وكان على وشك أن يطلب منه القيام بمهمة وساطة مع الإسكندرية إلا أن هيبا وجل من المهمة واعتذر عنها لما عرف عن رجال كنيسة القمحة الذين عايشهم ثلاث سنين قاسية.

    فريسي الأقنوم :أحد رهبان الدير، احبه هيبا كثيرا إلى درجة أنه آخاه . وبغض النظر عن عقيدته في المسيح التي بسببها سمي فريسي الأقنوم فإن بينه وبين هيبا شبه في أصل النشأة ولكنه يقابله  تماما في ردود فعله تجاه أساسيات الحياة.

    “هو الآن أقرب الرهبان إلى قلبي. أمضى هنا عشرين سنة من حياته، وهو أكثر الرهبان شبها برئيس الدير،…قدماه ويداه صغيرتان كما لو كانا لصبي صغير ….الرهبان ينادونه بلقب غريب: فِرِّيسي الأقنوم! وقد صرت مثلهم أناديه بهذا اللقب الذي لا ينزعج منه ولا يفرح به.”

    وفريسي الأقنوم عربي الأصل من أهل حلب. نشأ يتيما من جهة أبيه الذي كان تاجراً ثرياً. وبعد موته تزوجت امرأته من أخيه ليحفظا ميراثه فلم يطق الفتى زواج أمه من عمه فهجر دنياهما والتحق بالكنيسة خادما فشماساً حتى رسم راهباً. وفي صباه عصى الرب مع نساء كثيرات واستحل ما لا يحل له. ثم ندم وتاب واعترف لرئيس الدير وصدق التوبة. لكنه بعدها كره النساء جميعاً. حتى كره كل ما يمت للأنوثة بصلة.  وعنده أن حواء هي التي أغوت آدم فكان ما كان. ومن أقواله أن كل النساء خائنات. ومع أن حواء لم تستطع أن تخون آدم لعدم وجود رجل آخر يومها لتخون زوجها معه فقد خانته مع عزازيل اللعين وتحالفت معه ضد آدم!

    يبدو فريسي الأقنوم حريصا على توبته لا يريد  أن يخسرها لذلك يبتعد عن كل ما يذكره بالفاحشة التي ندم عليها. يسجل هيبا في مذكراته:” من الوقائع الغريبة التي جرت أواخر صيف العام الثلاثين بعد المائة نزول الحمام بأنحاء الدير…كنت هانئا بجلستي عند السور، وبالحمام المحيط، ساعة جاء الفريسي..جلس بجواري ، وراح يلتقط من قطع الحجارة ما يرجم بها الحمام ليطرده بعيدا عن موضعنا. سألته عما يفعل، فقال حانقاً إن الحمام يملأ أرجاء الدير زبلاً، ويزعج النائمين فجراً بصوت ذكوره التي تزوم بلا انقطاع. نظرت إليه نظرة المشكك في صدق ما يقول، فاضاف وكأنه يذيع سراً، الحمام يثير الشهوات، ويبعث على ارتكاب الخطية، وإن على الناس ألا ينظروا إليه ما داموا أتقياء!”

    هكذا نظر الفريسي للحمام لأنه كان مثقلاً بالخوف من السقوط. وبهذا الحذر نجا . ولكن هيبا كان يستوحي من زيارة الحمام شيئاً آخر. فقد راقب الحمام على مدى ثلاثة أيام تعرف خلالها على علاقات الحمام الاجتماعية. فأحبه وتذكر قول المسيح: ” كونوا بسطاء كالحمام..(ثم ذهب يسترسل في تأملاته)..الحمام يعيش حياة المحبة الكاملة، لا تُفرِّق ذكوره بين أنثى جميلة وأخرى قبيحة، مثلما يفعل الناس..وإذا بلغ الفرد مبلغ الطيران ، لم يعد يعرف أباً له ولا أماً، وإنما يدخل مع البقية في شراكة كاملة لا تعرف أنانية ولا فردانية. ..يختار الرجال من النساء، والنساء من الرجال، ما يناسب الواحد منهم للعيش حيناً في محبة مع الآخر، ثم يتركه إذا شاء، ويأنس لغيره إذا أراد، ويصير نسلهم منسوباً لهم جميعا.”

    ونتوقف هنا لنقول إن يوسف زيدان لم يبدأ هذه الفكرة الشيوعية . لقد سبقه إليها أفلاطون في جمهوريته. مع فارق صغير هو أن زيدان استمد فكرته من عيش الحمام بينما استمد أفلاطون نظريته من حياة الكلاب!! وفي كلا الحالين لا يقبل راهب ولا فاسق بهذه الشيوعية التي لم تعرفها البشرية قط . بعكس ما يظن السيد زيدان!!

    على كل حال علينا أن نذكر أن هيبا يسجل هذه الأفكار بعد فشله في مقاومة غواية مرتا وانسحابه من حياة الرهبنة مهزوماً. وليسلي نفسه يتذكر الوضع المقابل لوضعه وهو الفريسي الذي نجح. فكأنه يرى أنه نجاح بثمن صعب. فقد حرم الفريسي من الحياة الاجتماعية وتنازل عن كثير وراقب نفسه بحذر وضبطها بحزم لينجو من المعصية. وكأنه يستلهم نجاح العرب المسلمين في تحقيق أعلى درجة من العفة مقارنة ببقية شعوب الأرض. وكأن العربي الراهب يعادل مسلماً عند زيدان.

    ولكن كيف أسقط  يوسف زيدان هيبا الراهب؟ وهل كان عادلاً في إسقاطه؟

    في خريف عام 430 م سمح رئيس الدير لامرأتين بالسكن في كوخ تابع للدير. ثم يعلم هيبا أن إحدى المرأتين فتاة ذات صوت عذب وأنها ستشارك الشمامسة ترانيم يتلونها أمام المصلين في قداس أيام الآحاد. ولما كان الراهب هيبا شاعراً ولديه معرفة بالموسيقى فقد كلفه رئيس الكنيسة أن يدير العملية فيلحن لهم من شعره ومن المزامير ومن شعر الأسقف بولا. ليجذب المصلين إلى قداس الأحد. ويصدع الراهب هيبا بالأمر فيقضي الليل بتأليف الشعر وتعديل الكلمات ووضع الألحان المناسبة لها. وفي النهار يدرب الشمامسة والفتاة على أداء الترانيم.

    كان يستقبلهم في المكتبة. وغنت الفتاة بين يدي الراهب فكان أداؤها أجمل من الألحان التي كان يقترحها. وكان صوتها عذباً وأدركت هي أن الراهب أُخذ بغنائها. وفي نهاية اليوم الأول يسالها:ألن تخبريني باسمك أيتها العذراء الطيبة؟ فتجيب: لست بعذراء يا أبت واسمي مرتا وهي كلمة قديمة تعني السيدة.

    ويَنشَدُّ الراهب إلى مرتا. وتنتبه هي إلى مشاعره نحوها. وتحاول تمتين علاقتها به بكل وسيلة. وذات مساء تأتيه مع خالتها التي تعيش معها بحجة معالجة عمتها من سعال ليلي. فيفحصها ويصف لها العلاج. وتصطحب مرتا عمتها إلى الكوخ ثم تعود إلى التدريب قبل الوقت لتنفرد بهيبا فلم يعطها الفرصة. ولكنه يتداول معها أحاديث شخصية عنها في لقاءات لاحقة ويعلم منها أنها كانت تغني في مسارح حلب وتعيش من تلك المهنة.

    ثم تمر قافلة ويُشفي الراهبُ رئيس القافلة بمهارة وسرعة فائقة أمام ناظري مرتا ورجال القافلة ورئيس الدير. ويرفض تقاضي أجر منهم بل يوجههم للتبرع للكنيسة ولمرتا إن أحبوا. ثم يعلم أنهم يهدون ملابس لمرتا وأن مرتا غنت لرجال القافلة ودخلت خيمة رئيس القافلة!

    وترفع مرتا التكليف مع الراهب وتناديه باسمه ويتبادلان قبيل بعض جلسات التدريب أحاديث لا يجوز أن تكون بين شخصين يتباينان ذلك التباين” راهب كبير وطبيب نطاسي من جهة ومغنية جاهلة عابثة من جهة أخرى. ولكن هيبا يتمتع باللعبة . وتواصل مرتا السعي لهدفها.

    ويعلم هيبا بزيارتها لخيمة صاحب القافلة وغنائها للقافلة وتهامس أهل الدير حول ذلك. وتأكل الغيرة قلبه ويسالها عن ذلك فتبرره له ويرضى. وتتأصل مناداتها له باسمه”لا تظن بي السوء يا هيبا!” ثم صارت تخاطبه باسم ” حبيبي”. وفي لقاءات تدريب لاحقة يحصل بينهما تلامس جسدي وقبلة منها إليه.

    ثم تاتي ساعة السقوط، يكون معها في الكوخ،”هو غرفة واحدة جوانبها خشبية غير محكمة البنيان، ملحق بها غرفة أصغر من دون باب أظنها لقضاء الحاجات.” في هذا المكان القذر المتهالك  الذي تغادره الخالة العجوز ينفرد هيبا ومرتا. وتدرك مرتا اشتياق هيبا لها. ويبادران كلاهما ويكون بينهما ما يكون بين الرجل والمرأة حين يطرحان رداء الحياء.

    وتستغل مرتا الفرصة لتحصل على هيبا زوجاً لها. وتحاول هي وخالتها إثارة غيرته بإيهامه أن هناك من يريد أن يتزوجها وأنها قد تعود إلى حلب تغني للسكارى وعابري السبيل من التجار وأصحاب القوافل. فيقول لها:”زواجنا محظور في ديانة المسيح.” فتساله مستغربة:” محظور!!”فيقول:” نعم يا مرتا محظور، ففي إنجيل متى الرسول مكتوب: من يتزوج مطلقة فهو يزني.”

    مرتا: “وما الذي كان بيننا بالأمس في الكوخ ؟ الم نكن هناك نزني؟

    ثم يدخل هيبا في غيبوبة ونوبة مرض شديد تستمر قرابة ثلاثة أسابيع يصحو منها ليجد أن مرتا رحلت إلى حلب منذ أسبوع . ثم يعلم من فريسي الأقنوم أن الكل يعلم أنها امرأة ساقطة وأنهم يعلمون بما كان بينه وبينها. فقرر ترك الدير واعتزال الرهبنة وكتابة مذكراته.

    فشل الراهب هيبا. ولكن هل يمكن لراهب كبير وعابد زاهد وطبيب ناجح مخلص لمهنته ولله أن يسقط بهذه الطريقة: بين يدي جاهلة رخيصة وفي مكان قذر عند باب غرفة قضاء الحاجات. أيزني رجل بهذا الثقل وذلك السمو الخلقي بجانب مرحاض لا باب له؟ هل يمكن أن تاتي شهوة لنفس رجل سوي في مثل هذه الظروف وفي لحظة يختلسها من غياب خالة الساقطة الرخيصة؟ مثل هذه الفعلة يليق بسافل فاسد كفتى سرمدة.

    إن ما اختاره زيدان هنا احتقار للإنسان . فبعد سنين من مجاهدة النفس وممارسة العطاء طبيباً ناجحاً ومحسنا للناس في سبيل الله ومجالسة علية القوم يرضى أن تخاطبه صبية جاهلة باسمه مباشرة ومن هم أرقى منها بمستويات يخاطبون منذ سنين طويلة بتبجيل كبير” يا أبت؟”.

    إن تطور شخصية هيبا كما صنعه زيدان غير معقول. صحيح أنها الخطيئة الأصلية والنفس تهفو إليها دائما. ولكن لكل مستواه الذي توصله إليه الأيام وتجاربها. وقد وصل الراهب هيبا مكانته العلية بشكل طبيعي فقد علا قدره بالصلاة والتأمل الروحاني والصدقة ومهنة الطب ومعاشرة علماء ومفكرين يعلمون الناس الخير! فكيف يسقط بهذه الطريقة.

    حتى لو صحت نظرية زيدان على أن  ليس للإنسان سوى خيارين. حصار الفريسي لنفسه على طريقة العرب المسلمين التي يمارسونها منذ قرون ساهين عن الخسائر الاجتماعية المرافقة لهذا الانتصار أو السقوط المريع الذي حدث لهيبا. حتى لو صح هذا كان على الكاتب أن يجد مبررا لسقوط هيبا غير ضعف الشهوة وحده. كان يمكن مثلاً أن يجعل سقوطه أثناء رحلته في القسطنطينية فيلتقي امرأة ذات مكانة عالية تستغل صفة الحياء عنده تستعين بها على ضعفه أمام اشتهاء جمالها فيسقط سقوطاً لائقاً بمن تعود على الاحترام ومارس كل خصائص الإيمان الصادق. فشخصية هيبا كما رسمها زيدان فيها ما لا يقبله علم النفس وترفضه قوانين السلوك البشري. ومن جهة أخرى فإن الله سبحانه لا يأذن بسقوط من يقدم له مثل نصف ما قدم هيبا.

    من شخصيات القصة:

    فريسي الأقنوم: بقدر ما ظلم زيدان هيبا والإنسان بعامة معه فقد نجح في صنع شخصية فريسي الأقنوم الذي نجح بامتحان العفة منذ توبته واعترافه. فقد وصفه بضعف الجسد وقصر القائمة وصغر اليدين والقدمين. وجدير بمثل هذا أن يتعرض في صباه المبكر لأذى أترابه  الذي يجدونه صيداً سهلاً لتسجيل بطولاتهم وتحقيق ذواتهم على حسابه . فيضطر هو لضبط أعصابه وكتم انفعالاته ليتجنب أذى الناس. حتى يصير ذلك  صفة ملازمة له. لذلك نراه لا يعترض على من يناديه فريسي الأقنوم وهو غير سعيد بهذا اللقب. ومثل هذا الذي يضبط انفعالاته يقدر على مقاومة رغباته فكان هذا عاملاً أساسيا في نجاحه بتجنب فتنة النساء بعد أن تاب وأراد طاعة الله.

    مصير نسطور:كذلك أبدع الكاتب في صنع مصير نسطور. فذنوبه الشخصية عندما شغل منصب أسقف القسطنطينية  أهلته للحرمان فهو لم يحسن استعمال السلطة. وبالمقابل فإن جماهير الناس في المنطقة لا يستحقون فكر نسطور  وما فيه من حق بسبب فسقهم الذي يصل حدا يحتار معه هيبا أهو يصدر عن إنسان حقيقي أم عن عزازيل الذي يتجسد بصورة فتى سرمدة. ولا ننس كيف تضيع الحقيقة مع وجود مئات الشهود على ما جرى لهيباتا ويخرج الجاني دون عقاب. في مثل هذه الأجواء يحرم الله الناس معرفة الهدى الحقيقي.

    نهاية أوكتافيا: وكذلك كان رائعا في صنع نهاية أوكتافيا باعتبار ما رأيناه منها وهي تغوي الشاب الجنوبي الذي وقع بين يديها.

    استشهاد هيباتا:وأحسن الكاتب بإظهار مقتل هيباتا على أنه شهادة. فلا يهمها معاناة الساعات الأخيرة. فقد خلدت في القلوب والعقول لتلقى جزاءها ومكافأتها عند الله.

    سلبيات:

    دور عزازيل: من الأمور غير المقنعة جعل تسجيل الأحداث أو مذكرات هيبا يأتي بتوجيه من عزازيل. بل إن عزازيل يقوم احيانا بلوم هيبا وهو يسجل ما لا يليق. وما عرفنا الشيطان إلا عدوا لتطور الإنسان ونموه وتقدمه في الحياة. والكتابة وتسجيل الحقائق لا يمضيان دون نفع للإنسان ولا بد أن يصنعا تقدما وتنهيان عن خطأ أو خطيئة. فكيف تكون الدعوة إليهما من عدونا اللدود الذي يتمنى لنا ظلمات الجهل؟ كان يجب أن يكون التسجيل حالة صراع مع إبليس  وليس طاعة له.  أم ترى يصدق زيدان أن الأكل من شجرة المعرفة هو الخطيئة؟ لو صح هذا لجاز ان ينصح عزازيل هيبا بالكتابة وينهاه عن تسجيل ما لا يليق من وجهة نظر الإنسان العاقل!!

     وفي القصة هنات صغيرة فقد ذكر الكاتب كلمة سكر مرتين. وكلمة سكر لم تعرف في المنطقة قبل القرن السابع الميلادي. وذلك بعد اكتشاف طريقة لصنع السكر في الهند وإعطائه اسمه السنسكريتي هذا المشتق من شكله ولونه عند صناعته أول مرة وليس من قدرته على التحلية.

    كذلك تساءل عما كان يفعله الله والملائكة والشيطان قبل خلق آدم ناسيا أن إبليس لم يكن شيطاناً قبل خلق آدم وعصيانه لله بعدم السجود لآدم. كان قبلها كان يدعى إبليس ويعيش مع الملائكة الأبرار.

    جواذب إضافية:لا أجد نفسي مؤهلاً للحكم على المعلومات الطبية التي أوردها الكاتب وهل كان بعض ما ذكره كالتشريح معروفاً في ذلك الزمن. ولكني أعلم أن الكاتب أجاد في استعمال معلومات طبية جذابة ليعوض القارئ عن بطؤ الحبكة الرئيسية. مستعملاً نظريات الدراما التي تقول إن المعلومات في ذاتها جذابة لأنها تثير فضول الإنسان لمعرفة المزيد منها. تماماً مثل ما تفعل معاناة شخصيات الرواية بالقارئ وهو يتعاطف معها أو يكرهها. ومعلومات الطب هي الأكثر جاذبية لأنها تتعلق بجسد الإنسان الذي يرافق كل بشر. ولعل قضايا الدين الخلافية تأتي مع المعلومات الطبية في قدرتها على إثارة فضول القارئ. وقد استعان زيدان بهاتين المادتين بكفاءة عالية

    وفي القصة أمور أخرى تستحق النقاش. ولكن الخشية من ملل القارئ  يجعلني أكتفي بهذا القدر . وأقدر للسيد زيدان جهده في بناء قصة لعلها الأفضل في الأدب العربي منذ عقود. وإذا كنت قد سجلت عليها ملاحظاتي القليلة فإن تحليلي لها جاء نتيجة إعجابي الكبير بها. وهو ما لم يحدث منذ قرأت آخر عمل قصصي لنجيب محفوظ. وأزعم أن زيدان وهو يصنع شخصيات قصته ويوظف المعلومات والأحداث لتوصيل رسالته قد وصل حداً من التعقيد والجمال لم تعتده الرواية العربية من قبل.

    بالمناسبة أرسلت هذه المقالة لعدة مجلات وصحف عربية فلم تنشرها ونشرت تحليلات سطحية وأحيانا سخيفة لنفس القصة.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كاتب وباحث ـ الأردن

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *