الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    “حقيبة بالكاد تُرى” لشذا شرف الدين: مشاهد ولحظات عابرة من سيرة برلينية

    shza.محمد أبي سمرا…//… صدرت لشذا شرف الدين مجموعة قصصية في عنوان “حقيبة بالكاد تُرى”، لدى “دار الساقي”، 2015، هي الكتاب الثاني لها بعد كتابها “فلاش باك”، حيث مشاهد ولحظات عابرة من سيرة برلينية مضت وانقضت في مجتمع الصداقة الهامشي في العاصمة الألمانية.

    في قصة “برلين”، زيارات متأخرة”، وهي الأولى في المجموعة، تصوّر الرواية لحظات وداعية لمهجرها البرليني. انها لحظات من لقائها الأخير بمُساكِنِها أو صديقها أو زوجها هناك، لا فرق. وهو مثلها مهاجر من موطنهما الأول المشترك، وغير الأوروبي، الى برلين. تروي القصة أيضاً لقاءات أخيرة بأصدقاء وصديقات برلينيين هامشيين مأخوذين بنزعات فنية وثقافية، أقرب الى الهوايات، من دون أن تنحو بهم وبهنّ نحو الاحتراف المهني. الامر الذي يُبدي الفن والثقافة لديهم تعبيراً عن أسلوب حياة وعلاقات، أكثر من كونهما مساراً وعملاً منتظمين يؤديان أو قد يؤديان الى حرفة أو مهنة متصلة يترتب عليها عائد مادي ومعنوي، شخصي واجتماعي عام. وقد يكون هذا المنحى عنصرا أو عاملا في هامشيتهم التي تصوّرهم أقرب الى مهاجرين قلقين في مدينتهم برلين.

    مجتمع الصداقة الهامشي

    لكن أمثال هؤلاء كثيرون، بل يشكلون فئات وجماعات واسعة في المدن والمجتمعات الأوروبية المعاصرة الراهنة التي انتزعت البشر، منذ بدايات العصر الصناعي، من الطبيعة والهويات الجمعية، فهجّنتهم وأدخلتهم في مسارات ومصائر أخذت تزيل بينهم الحواجز والفروق العرقية والوطنية والجنسية، على نحو لا رجعة فيه. حتى الطبيعة التي كانت في المجتمعات الأوروبية مصدراً خارجياً للتهديد والخطر في “زمن البطء القديم”، حسب الروائي ميلان كونديرا، جرى تهجينها والسيطرة عليها سيطرة تامة، ليصبح الخطر في تلك المجتمعات واقعة داخلية شاملة، بيئية وصحية ووجودية في زمن العولمة ومجتمعاتها التي وصفها المفكر الالماني المعاصر أولريش بك (1944 – 2015) بـ”مجتمعات المخاطرة”. وذلك في كتاب أساسي له وسمه بهذا العنوان، وشرح فيه نظريته في العولمة ومظاهرها وما يترتب عليها في مجالات البيئة والمعرفة والاجتماع والسياسة والاقتصاد والعمل، وفي الحياة والعلاقات الأسرية والفردية والعاطفية، وفي أشكال التنظيم الاجتماعي والتعبير والاحتجاج. فالحداثة، والعولمة بعدها، جعلتا البشر جميعاً يعيشون حياتهم على الكوكب وسط الخطر والتهديد الجماعيين والفرديين والشخصيين الدائمين. كما جعلتاهم يعيشيون أيضا في الموقف العابر، وفي هجرات دائمة، على معنى انحلال الهويات الجمعية العامة، وانعتاق الأفراد منها ومن الطبيعة انعتاقاً راسخا، إراديا وغير إرادي. وقد شمل الانعتاق أيضاً مغادرة الانتماء والإقامة المستقرين، للعيش في دبيب هجرات واسعة من بلد الى بلد، ومن هوية فردية وشخصية الى أخرى، وصولا الى الرغبة والجنس والحياة الجنسية.

    هذه هي حال شخصيات قصة “برلين، زيارات متأخرة”. وهي شخصيات تبدو كأنها سليلة متأخرة لجيل ثورة الطلاب والشبان في أوروبا الستينات والسبعينات من القرن العشرين. فالثورة تلك كانت قد رسّخت في وعي فئات واسعة من الجماعات والأفراد صورا وقيما ومعاني للعالم والذات والنفس، جعلتهم أقرب الى شخصيات فنية تسعى منعتقة من أثقال قيم مجتمع العمل والمردودية المادية والمعنوية الذي هجروه الى ما يمكن تسميته “مجتمع الصداقة” والإلفة الحميمة والهامشية. وهو المجتمع الذي أتاح لأولئك المنعتقين الهامشيين، ولمن هم من سلالتهم الثقافية، اللقاءَ بالروائية المهاجرة الى برلين من بلدها غير الأوروبي، ومصادقتها في سنوات إقامتها البرلينية. كما أتاح للمهاجِرة الانتماء الى دائرتهم في نمط العيش والهواية والعمل الهامشي. ففي برلين الرواية وأصدقائها ما من شيء “يستدعي العجلة”. فما إن “تطأ قدماك أحد مرافقها (حتى) تصاب بخدر ناعم وتحسب أنك وصلتَ الى المحطة الأخيرة الممكنة في هذا العالم”. ذلك أنها “مدينة لا ثابت فيها سوى إخمادها طموح ساكنها، وجعله يحسب أن ما من شيء ينقصه”. وكلما عادت المهاجِرة الى برلين وأصدقائها فيها، بعد زياراتها بلدها الأول غير الأوروبي، “يتذكر الجميع أنني – تروي المهاجِرة العائدة – كنتُ في بلاد الغربة لسنة كاملة، فيسألونني عما إذا كنت لا أزال أنوي البقاء هناك في الغربة”. وفيما هم يتناولون البيتزا والنبيذ، يتبادلون أحاديث عابرة تتصل بمجتمع المخاطرة وثقافته في الطهي التي “تقتل المواد الحيوية” في المآكل التي تحضّر في “الماكروويف”. لكن هذا “الحديث لا يدوم طويلاً، فحماستهم لتذوق البقلاوة التي جلبتُها معي (من بلاد الغربة) أكبر مما للتحدث في ما لا طائل منه، وأكرره كل سنة، وهو أنني لا أعرف “ولا أعلم إن كنت سأبقى في “بلاد الغربة”، بحسبهم، أي بلد الراوية الأول، بحسبها.

    الفن والمثليّة والموت

    في مجتمع الصداقة البرليني الهامشي هذا: “نتكلم، نأكل، ندخن، نسمع الموسيقى – تروي الراوية المهاجرة – (و) يَعترفُ أحدنا بشيء حميم، نتابع الأكل، ينتقد أحدنا تصرّف آخر يجلس أمامه، وقد يعتذر الآخر، ثم نكمل السهرة من دون أن يكون لهذا الانتقاد أي تبعات مزعجة”. وهذا على خلاف ما هي عليه الحال في مجتمعات الهويّات والنميمة والعلاقات العصبوية والشللية المتناسلة بلا هوادة، ضداً لمجتمعات الفردية والخيارات الشخصية الحرة، حيث تعترف “سيمونة، صديقة بِتينا الجديدة، بأنها لا تعرف تماماً ماذا تريد، ولا حتى إن كانت مِثليّة فعلاً أم أن مِثليتها تقتصر على حبّها لصديقتها الجديدة”، التي تقول إنها “تعبت من الحياة في المدينة وتود الانتقال الى إحدى ضواحيها الهادئة”، علّها تتمكن من رسم لوحات معرضها المرتقب الذي لم ترسم منه “شيئاً منذ شهرين تقريباً”. أما “غيورغ، (فـ) يؤكد أن ما يهمه في الحياة هو أن يكتب الشعر، وأن تؤمّن له الدولة زجاجة النبيذ اليومية”. فهو “عاطل دائم عن العمل”، و”لا يهمّني أين أعيش”، طالما أنه “لا يستوحي” ما يكتبه “من العالم الذي يحيط” به، بل “من اللغة نفسها”. وهناك أيضاً فيليب ولوتسيا وطفلهما يوهان الذي يستفيق من نومه، و”يدخل المطبخ (الذي) هو الصالون وغرفة الجلوس وغرفة الطعام في برلين”، فتترك لوتسيا شلة الأصدقاء الساهرين في مطبخها، للاعتناء بطفلها. هذا بعدما يكون فيليب – و”هو راقص سابق يعمل بين وقت وآخر موديلاً لطلاب الرسم في إحدى كليات الفنون” – قد دخّن “عشرين صاروخاً” من حشيشة الكيف “في اليوم تقريباً”، وأمضى “وقته بين نيتشه وكارل ماركس وفوكو الذي اهتدى إليه أخيراً”، فيما “يُمضي ساعات الليل (المتأخرة) منشغلاً بألعاب الكومبيوتر، ويشن الحرب على البوليس”. أما هربرت الغائب عن السهرة – اللقاء، فقد “أصيب بالإيدز قبل عشر سنوات، وتدهور وضعه الصحي منذ الليلة الفائتة”. لذا تذهب الراوية المهاجرة الى زيارته في صبحية الغد، فيقول لها إنه ما كان لـ”يفهم عذابات القديس أنطوان لولا هذا المرض… إنه جهنم على الأرض”. وهو الذي حمله على تسمية “جسمه المساحة التي يعيش حولها. ولم يعد يعرف تماماً معنى الكلام، وصار يمشي بعقله ويفكّر برجله”. هذا بعدما “أراد أن يصبح راهباً في شبابه. ولو لم يُغرم بأحد الرهبان لما ترك الرهبنة”، ليذهب في رحلات من جبل الى جبل، حيث يعتزل أشهراً في مغارات “لا يفعل شيئاً سوى القراءة وغزل الصوف”.

    بورتريهات للحميم العابر

    أخيراً تمضي الراوية ليلة مع فؤاد في بيتهما البرليني المشترك، حيث “جئتُ كي أفرز أغراضي، تلك التي أردتُ أخذها معي الى بيروت”، بعد انفصالهما العاطفي وفسخ إقامتهما المشتركة. يحضّر فؤاد غداءً مشتركاً، يتبادلان أحاديث عن المبنى والبيت وما حدث فيهما من تغيرات في غياب الراوية التي تروح تتفقد مواضع الأشياء والأثاثات والمقتنيات البيتية، قبل ذهابهما معاً الى حضور فيلم في صالة سينما قريبة. ولأن الوقت كان متأخراً بعد خروجهما من السينما، “سألتُ فؤاد – تروي الراوية – إن كنت أستطيع النوم عنده”، أي في منزل إقامتهما المشتركة الطويلة المنتهية. في الغرفة التي كانت غرفة عملها، وحوّلها فؤاد “للضيوف”، “حضّر” لها “الفرشة”، حيث “تخيّلتُ – تروي – أن الأشياء، أشياءنا، استغربت رؤيتي نائمة هناك”، ثم تحارُ الراوية: “كيف أفسّر لها أنني لم أعد صاحبتها، وأنني ضيفة فحسب”.

    في مشاهد اللقاءات البرلينية الوداعية هذه وسواها من المشاهد في قصص الكتاب الأخرى، تروي شذا شرف الدين لحظات وعلاقات ومصادفات ولقاءات وأجزاء من سير أشخاصٍ وأمكنة وشؤون صغيرة عابرة. كأنها في هذه المشاهد ترسم بورتريهات للحميم العابر من أوقات شخصياتها وأعمارهم العابرة بخفة على الهوامش. كأنهم ضيوف في حياتهم وعلى العالم. وهذا ما لا يُتاح عيشه إلا في مجتمعات الحرية والفردية والخفة العابرة.

    نشر في جريدة النهار في 29/7/2015

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *