الإثنين 21 أغسطس, 2017

    بين الضنك و.. زينة الحياة

    الشيخ مازن المطوري
    سؤال:

    هل تعتبر هاتان الآيتان متناقضتين: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا..)، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا…)، لو طبّقنا الآيتين على مجتمع غربي كأحد الدول الأوربية، فهل نفهم من الآية الأولى أنهم يعيشون حياة سعيدة؟ أم من الآية الثانية نعرف أنهم يعيشون في حالة بائسة؟

    الجواب:

    لا يوجد أي تنافي، بل بينهما غاية الإنسجام، فإن الآية الأولى تمثل مقدمة لما تضمنت الحديث عنه الآية الثانية، فإن تزيين الحياة الدنيا للإنسان يدعوه إلى هوى النفس وشهواتها، وينسيه كل حق وحقيقة، فلا يسعى إلا في سبيل الدنيا وتشكلاتها من جاه ومقام ومال وزينه، ولأجل ذلك يستخدم كل الوسائل في سبيل نيلها، حتى الدين يجعله وسيلة للتميّز لنفر من الناس في سبيل تحقيق مطامحهم.

    وعندما تتزين الدنيا للإنسان ويجد حلاوتها المغرية، ويتخذ كل وسيلة في سبيلها ويضيّع وجهة الحق، فحينئذ يقع في الضنك الذي تحدثت عنه الآية الثانية. والضنك في هذه الآية ليس المراد منه موارد الحياة المادية والرفاهية في وسائل العيش، وإنما هو ضنك روحي ونفسي، يدفع الإنسان للاستزادة ويجعله منهوماً لا يشبع من كل شيء، فالذي ينسى الله تعالى وذكره، وما تركزه تعاليم الدين من مفاهيم القناعة وحب خدمة الآخرين، فلا يبقى له إلا أن يتعلق بالدنيا ويجعلها مطلوبه الأوحد الذي يسعى إليه ويهتم بإصلاحه والتوسع فيه، ومهما أُوتي من معيشة ورزق فإنه لا يسعه بل يجده ضيقاً قليلاً، لأنه محب أعمى، فكلما حصّل من الدنيا ووسائلها وتمظهراتها شيئاً لم ترض نفسه به ودفعته لتحصيل وطلب المزيد من غير أن يقف طلبه ونهمه على حدّ، فهو دائماً في ضيق نفسي وحنق مما وجد من طلباته، وهو دائماً متعلق القلب بما وراء ما وجده وحصّله، ويرافق ذلك كله الهم والغم الذي يصيبه جرّاء سعيه وجرّاء ما يشغل فكره من التفكير بأن تعرض له الخسائر أو المرض والعاهات أو فقد حبيب أو الموت وما شاكل. فهذا هو الضيق الذي تحدثت عنه الآية الشريفة، وليس المراد الضيق في الحياة المادية بمعنى الفقر والعوز وفقدان أبسط وسائل الحياة ومقوماتها الذي يستوي فيه المؤمن وغير المؤمن، والراجع لعوامل متعددة.

    أما الإنسان المؤمن الذي يعرف مقام ربه تعالى، ويكون ذاكراً له تعالى، ويتيقّن أن هذه الحياة ممر وأن الحياة الحقيقية عنده تعالى وهي لا يخالطها موت ولا شقاء ولا عناء ولا هم ولا غم ولا زوال نعمة ولا فقدان حبيب، فمثل هذا الإنسان تقنع نفسه بما حصّله من رزق وسعي وما اُوتيه من معيشة من غير ضيق وضنك، مع محبة الآخرين والسعي في سبيل التكافل معهم والتضامن، بل وتجده طيّب النفس واسع الروح هشاً بشّاً.

    والخلاصة أن الضنك في الآية الثانية ليس كما يتصوره بعض الناس، وإنما هو ضيق وضنك على شاكله: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال، أو: كالذي يشرب من ماء البحر حيث كلما شرب منه بقي عطشاناً وطالباً للماء، فالمعرض عن ذكر الله مهما أُوتي من خيرات الدنيا وزينتها يشعر بالضيق والضنك ويطلب المزيد.

    أما المجتمعات الأوربية وغيرها المتطورة في شتى المجالات المادية والرفاهية، فهي لا تختلف عن بقية الشعوب من حيث الضنك النفسي وضيق الصدر، فمن هذه الناحية لا يوجد فرق بين مجتمع ومجتمع مهما كان عنوانه الديني أو الفكري، لأن العبرة بالإيمان الحقيقي الذي يستحكم في قلب الإنسان وفي مفاهيمه العالية من القناعة والرضا والتضامن والتكافل مع الآخرين، فالإنسان قد يتلبّس بعنوان ديني ولكنه ليس تلبّساً حقيقياً، ولذا تجده كذلك يعاني الضنك والضيق ويسعى فلا يشبع ولا يرتوي.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *